«المدائح النبوية في الشعر الإماراتي».. واحات إبداعية تغنت بـ«أكرم الخلق» - البيان

«مسكيّة» محمد بن راشد رائعة جسدت أبرز نماذجه

«المدائح النبوية في الشعر الإماراتي».. واحات إبداعية تغنت بـ«أكرم الخلق»

شعر المدائح النبوية يشكل حيزاً واسعاً في الأدب العربي خاصة، والأدب الإسلامي بصفة عامة، ونقول: إن هناك أدباً نبوياً إسلامياً، لأننا نقرأ لشعراء من الفرس كسعدي الشيرازي مثلاً، ونقرأ لشعراء هنود كمحمد إقبال، وأمثال هذين الشاعرين من البلاد الفارسية والهندية وغيرهما من بلاد المسلمين.

وليس صحيحاً ما تقوله الجماعة المتشددة من أن شعر المدائح النبوية جاء به المتأخرون من الشعراء، وأن هذا النوع من الشعر لم يكن مألوفاً في العهد النبوي وفي الأيام الأولى للإسلام.. هناك قصائد لكعب بن زهير وحسان بن ثابت، والمرثيات التي قيلت بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، مباشرة.

مدائح

من يستعرض القصائد والمدائح التي قيلت في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي مولده الشريف، فإنه يجد بحراً زاخراً لا حدَّ له، وكمّاً هائلاً من الأشعار ومن النثر الفني، قيل في مثل هذه المناسبات.. ولخّص الإمام البوصيري كل ما قيل وما سوف يقال في أبيات خالدة تجسد المشهد النبوي:

دعْ ما ادّعته النصارى في نبيهمُ

                  واحكم بما شئت فيه المدح واحتكم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف

               وانسب إلى فضله ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له

                          حدٌّ فيعرب عنه ناطق بفمِ

والذي يهمنا الإشارة إليه هو ما قيل من شعر المدائح النبوية في الإمارات، وبالعربية الفصحى. وليس بين يدي شعر قيل باللهجة الشعبية في مثل هذه المناسبات، وقرأت قبل أيام للسيد خلف الحبتور على موقعه الإلكتروني إشارة إلى قصيدة للمرحومة عائشة بنت خليفة السويدي في المدح النبوي، هي بين الفصيحة والنبط، وهي كما هو معروف، كانت على رأس الشاعرات في الإمارات.

أول قصيدة

وفي رأيي فإن أول من نظم قصيدة في مدح الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الإمارات في الثلاثينيات من القرن الماضي هو الشيخ عبد الرحمن بن حافظ، ولكن للأسف هذه القصيدة ضاعت مع كتب كثيرة للشيخ في حريق أصاب منزله في الباطنة بعمان، وقد روى أحد تلاميذه، وهو الشيخ محمد النقبي، مطلعاً لهذه القصيدة التي يعارض فيها قصيدة البردة للإمام البوصيري، ويقول مبتدئاً بالنسيب:

لا تطعني هند فالأنساب واحدة

                ونحن إن نختصم نرجع إلى حكمِ

وللأسف الشديد، لا أحد يحفظ أبياتاً أخرى من هذه القصيدة.. وكان الشيخ ابن حافظ، كما هو معروف، أول من ألّف كتاباً في الفقه وسماه «خلاصة الفقه»، وكان شاعراً مجيداً، وقد روى لي المرحوم السيد هاشم الهاشمي بيتين من شعر ابن حافظ يدلان على شاعرية جزلة ورقة في العاطفة يقول:

والطير فوق الغصن وهو من الهوى

                            مع إلفه في عزة وشقاق

في الماء أبصر شخصه ويظنّه

                 شخص الرقيب فغاب في الأوراق

والمعروف أن المدائح النبوية، سواء كانت شعراً أم نثراً، تجعل الشاعر والكاتب يلجُ واحات خضراء شاسعة من الصفاء والروحانية، وكلما توغلنا في هذا الميدان النبوي دخلنا في عالم آخر من النقاء ليس فيه التكالب على الدنيوية.

«المسكية»

ونحن الآن نمرّ بالأيام المباركة، ونستعرض شعر المدح النبوي الذي قاله شعراء من الإمارات، وفي رأس هؤلاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي سجل لنا قصيدة رائعة سميت بـ»المسكية في مدح خير البرية»، التي يقول في مطلعها:

أَهْدى إليّ الشعرُ رَيِّقَهُ

              فجعلتُ لي في الشِّعر بُستانا

وغَرَسْتُ في مدحِ النبيِّ شَجا

                    وسَقيْتُه رَوْحاً ورَيْحانا

ويقول:

هو رحْمةٌ للناسِ أَرْسَلَه

                   ربُّ العِبادِ هدى وتبيانا

يا ربّ أكْرِم أمةً شَرُفَتْ

                    بِمحمّدٍ فضْلاً وغُفرانا

إلى آخر هذه القصيدة الجميلة..

ونأتي إلى قصيدة أخرى، فيها معارضة لقصيدة البردة للشيخ البوصيري، نظمها سالم بن علي العويس، الذي عاش في النصف الأول من القرن الماضي، وتنمُّ هذه القصيدة عن شاعرية سلسة.. يقول فيها:

يا سالف الدهر بين الحل والحرمِ

                     لأنت أشهرُ من نارٍ على علمِ

ما ظن والليل ساجٍ في غياهبه

                   بفائقٍ من ضياء الصُّبح مزدحمِ

حتى تكشف للأبصار عن كثب

                    علمٌ يحيّر رأس العُرب والعجم

ويمضي العويس فيقول:

فردٌ ينازلهم في كل معركة

                      بالباترات من الآيات والحكم

ونقف عند هذا البيت الجميل، الذي أعتبره بيت القصيد في شعر سالم العويس، إذ يقول بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، دخل المعارك بالباترات من الآيات والحكم وليس بالسيف القاطع.

وتأتي إلى قصيدة أخرى لعبد الله محمد الجلاف من الشندغة بدبي، لتشكِّل معارضة أخرى لقصيدة البردة، يقول فيها:

من لاعج الشوق دمع العين لم ينمِ

                   جريح حب الهوى العذريِّ في ألمِ

إلى آخر ما يقول:

رحماك يا رب مما قد جنته يدي

                  فاغفر ذنوبي بحق البيتِ والحرمِ

وهذه القصيدة أهداني إياها الأستاذ بلال البدور مشكوراً.

وفي قصيدة للشاعر والباحث الكبير إبراهيم بوملحه، نقرأ:

يا ربِّ صلِّ على النبي محمد

                ملء السما والأرض والأكوان

ويشير إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويقول:

لما أتيتَ إلى الوجود تعطرت

                           أسماعه بتلاوة القرآن

نثرت يداك الخِصب في أرجائها

                     فاخضلَّ منها قفر كل مكان

وللأستاذ بوملحه قصائد كثيرة في مدح الرسول، صلى الله عليه وسلم.

«الوردة»

ونأتي إلى الشاعر الكبير الدكتور عارف الشيخ، الذي له قصائد عدة في مدح الرسول، صلى الله عليه وسلم، ونعرج على قصيدته الطويلة والملحمية التي خمّس بها الميمية المشهورة للبوصيري، وأصدر كتاباً سماه «الوردة في تخميس اللامية وتشطير البردة»، ولكي نقف على فائدة هذا الكتاب فإنه لا بد أن نقرأ القصيدة بالكامل، ويستوقف القارئ في هذا التشطير الرائع للدكتور عارف شعره، حيث يقول:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

وهذا الشطر من البيت هو للإمام البوصيري.

يقول الدكتور عارف في الشطر الآخر:

إلا الذي خلق الأكوان من عدم

وكان البوصيري يقول:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

               سواك عند حلول الحادث العمم

ويقول عارف الشيخ:

كلا ولا لي شفيع أرتجيه غداً

ويأخذ من البوصيري:

سواك عند حلول الحادث العمم

وعندي أن تشطير الدكتور عارف في هذه الأبيات قد خفَّف كثيراً من وطأة الغضب الذي أحس به المتشددون المبغضون لمن يتحدث عن معجزات الرسول، صلى الله عليه وسلم، وخاصة البوصيري وصاحب كتاب البرزجي وكتاب «الشفا» للشيخ القاضي عياض المالكي، رحمهم الله. ولا يسع المقام لاستعراض هذه القصيدة الجميلة «الوردة في تخميس اللامية وتشطير البردة»، وأنصح محبي شعر المدائح النبوية أن يقرأوا القصيدة بالكامل.

استقبال

ونأتي إلى الشاعر سيف المري في استقبال المولد النبوي الشريف، ونختتم به حديثنا هذا، إذ يقول الأستاذ سيف المري:

من مثل أحمد في عظيم صفاته

                  في خلقه أو جوده وسخائِه

قد كان نوراً في جبين جدوده

                 في السادة الأطهار من آبائِه

حملته آمنة المطهر حملها

                     وتشرفت بجلاله وبهائه

حملت فما وجدت له ألماً ولا

                    تعباً ولا كرباً لحين لقائه

طباعة Email
تعليقات

تعليقات