مولد الهدى والنور عند أمير الشعراء أحمد شوقي - البيان

مولد الهدى والنور عند أمير الشعراء أحمد شوقي

من مآثر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الخُلُقية والفكرية، أنه كان يميل إلى الروحانية ميلاً كبيراً، وكان حضوره حفلات المولد النبوي والاشتراك فيها ديدن هذا القائد المسلم المتميز، وقد ورث هذه الخصلة من آبائه من بني ياس الذين يتبعون المدرسة المالكية التي تنتمي إلى إمام السنة وشيخ الحرم النبوي الإمام الجليل مالك بن أنس، وكان الشيخ زايد، رحمه الله، من حبه لرسول الله ــ صلّى الله عليه وسلم ــ ، يحتفل بهذا اليوم وأمر أن يكون يوم المولد الشريف، الذي يصادف الثاني عشر من ربيع الأول كل عام، عطلة رسمية في الإمارات لهذه المناسبة الجليلة.

ومن يستعرض ما كتب وما نظم من شعر في وصف هذا اليوم الجليل، يوم أن أشرقت على الدنيا شمس الرسالة النبوية يجد كماً هائلاً من الكلمات التي لا تُعد ولا تحصى، وليس في هذا الكم ما يمّلُ ترداده على مدى الدهور والأيام التي مرت على الولادة السَنية عام 571م، ولكن الذي يستوقفنا ويجعلنا نتمايل طرباً وشوقاً هو ما يتلوه علينا الفحول الكبار من شعراء العربية وعلى رأس هؤلاء الشاعران الكبيران المؤمنان بكل كلمة وردت على لسانيهما وهما محمد بن سعيد البوصيري من قرية أباصير في مصر، وأحمد شوقي أمير الشعراء العرب المصري أيضاً، وكلا الشاعرين اللذين ينتميان لمصر بلغا مبلغاً من الرقي في البلاغة والتعبير لم يصل إليهما شاعر عربي قبلهما أو بعدهما حتى الآن، لاسيما في قصيدتيهما البردة النبوية ونهج البردة اللتين سارتا مسرى البرق في ليل داج مظلم.

وبالرغم من أن أمير الشعراء أحمد شوقي الذي جاء بعد البوصيري بما يقارب ثمانمئة عام ويقتبس من البوصيري معاني شعره اقتباساً لا يخفى على الفطن من متذوقي الشعر، لكن شوقي بأسلوبه الشيق واستغراقه في روحانية عميقة من الإيمان والصفاء، استطاع أن يتسلق سلالم العلياء ويحلق في أجواء لا تقل صفاء وروحانية وبهاء من تلك التي حلق فيها شاعرنا الكبير محمد بن سعيد البوصيري إمام المادحين للشخصية النبوية، وجعلت شاعرنا أحمد شوقي يقر ويعلن أنه لم يخرج عن تبعية هذا الإمام الكبير.

المادحون وأرباب الهوى تبَعٌ

                    لصاحب البردة الفيحاء ذي القَدِم

مديحه حب صادق وهوى

                   وصادق الحب يملي صادق الكلم

الله يشهد أني لا أعارضه

              من ذا يعارض صوب العارض العَرِم

وإنما أنا بعض الغابطين ومن

                          يمدح وليّك لا يُذمم ولا يُلم

وبهذه الكلمات الجميلة التي تنم عن تواضع جم يمضي أمير الشعراء في رسالته التي سميت نهج البردة ويخرج علينا بالمعارضة الشعرية المحفوفة بالاحترام والتبجيل لصاحبه ويقول لنا بادئاً قصيدته بأبيات من النسيب الوجداني:

ريم على القاع بين البان والعلمِ

                   أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

لما رنا حدثتني النفس قائلة

                 يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي

جحدتها وكتمت السهم في كبدي

                     جرح الأحبة عندي غير ذي ألم

وعندما صدحت سيدة الغناء العربي أم كلثوم بهذه القصيدة العصماء تجاوزت مراحل الطرب إلى التحليق في سماء الصفائية، تلفحها النسائم من لدن الحضرة النبوية التي جسدتها كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي، وراحت الست الكبيرة ومعها المستمعون والمرددون في نشوة واستغراق ليس لهما نظيران فيما غنته السيدة من أغنيات وما رددته من كلمات في السابق وأصبحت أم كلثوم من يومها بحق، ست الكل، كما يسميها المصريون والقامة الغنائية العربية التي لم تصل إليها قامات المطربين والمغنين حتى لحظة كتابة هذه السطور.

ويمضي شوقي في ابتهالاته واقفاً أمام استحضار الهالة النبوية وواضعاً يده اليمنى على صدره إجلالاً للموقف:

إن جل ذنبي عن الغفران لي أمل

                   في الله يجعلني في خير معتصم

ألقي رجائي إذا عز المجير على

                   مفرج الكرب في الدارين والغمم

إذا خفضت جناح الذل أسأله

                     عز الشفاعة لم أسأل سوى أمم

ويواصل شاعرنا الكبير وهو في حالة من الاستغراق الكامل ويضيف إلى ابتهالاته هذه الأبيات الرائعة التي أعتقد أن قليلاً من الشعراء استطاع أن يصل إلى مستوى جمال مفرداتها وقوة معانيها:

وإن تقدم ذو تقوى بصالحة

                   قدمت بين يديه عبرة الندم

لزمت باب أمير الأنبياء ومن

                  يمسك بمفتاح باب الله يغتنم

فكل فضل وإحسان وعارفة

                     ما بين مستلم منه وملتزم

علقت من مدحه حبلاً أعز به

              في يوم لا عز بالأنساب واللحم

ويستمر الشاعر الفذ فيلقي علينا من الدرر واللآلئ التي استخرجها من الفيوضات النبوية الملهمة، فيقول:

جاء النبيون بالآيات فانصرمت

                             وجئتنا بحكيم غير منصرم

آياته كلما طال المدى جدد

                             يزينهن جلال العتق والقدم

يكاد في لفظة منه مشرفة

                       يوصيك بالحق والتقوى وبالرحم

يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة

                          حديثك الشهد عند الذائق الفهم

بكل قول كريم أنت قائله

                        تحيي القلوب وتحيي ميت الهمم

سرت بشائر بالهادي ومولده

           في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم

إلى آخر هذه الرائعة التي سوف تستمر منارة مضيئة لمن يريد أن يغترف من هدي النبوة الكريمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات