سريلانكا.. أزمة سياسية واتهامات بالفساد - البيان

سريلانكا.. أزمة سياسية واتهامات بالفساد

منذ انتهاء الحرب الأهلية الانفصالية الطويلة في سريلانكا بقيادة نمور التاميل، والتي قضى الجيش السريلانكي عليها وقتل قائدها في مايو 2009، بدأت البلاد مرحلة سلام وبناء وتعمير بمساعدات دولية وإقليمية. غير أنها كغيرها من دول العالم تأثرت بموجة الأزمات الاقتصادية، بل كان وقع هذه الأزمات على سريلانكا أشد من تأثيراتها على غيرها بسبب قدراتها الاقتصادية الضعيفة.

اليوم تعود سريلانكا إلى الأضواء لسبب آخر هو المشاكل السياسية والدستورية التي عصفتْ بها مؤخراً، والتي قيل إنّ خلفياتها ذات علاقة باتهامات حول انخراط كبار المسؤولين في الفساد وخصخصة المشاريع العامة وبيعها لدول أجنبية.

ويمكن تناول الإشكال الحاصل اليوم، والذي حذرتْ من تفاقمه وانعكاساته على الأمن والاستقرار دول عديدة، بالعودة إلى الوراء قليلاً وسرد ما حدث من تطورات سياسية خلال السنوات القليلة الماضية.

ففي انتخابات 2005 الرئاسية، رشح حزب الحرية «ماهيندا راجاباكسا» ضد «رانيل ويكريميسينغا» زعيم الحزب الوطني المتحد، ففاز الأول على الثاني بفارق 190 ألف صوت فقط. وبمجرد تسلمه رئاسة البلاد قام بتعديلات وزارية كان أهمها الاحتفاظ بحقيبتي الدفاع والمالية لنفسه، وتمديد فترة تولي الجنرال «سارات فونسيكا» قيادة الجيش.

وخلال السنوات الثلاث التالية وضع راجاباكسا بالتعاون مع قائد جيشه وشقيقه الجنرال «غوتابايا راجاباكسا» خطة ناجحة لتصفية زعماء التاميل المتمردين والقضاء المبرم على حركتهم الانفصالية، الأمر الذي حقق للرجل شعبية كبيرة ولا سيما في أوساط الأغلبية السنهالية التي ينتمي لها عرقياً، على الرغم من التقارير الكثيرة عن ارتكاب إدارته جرائم حرب ضد التاميل.

بعد انتهاء الحرب، دبّتْ الخلافات بين راجاباكسا وفونسيكا بسبب إصرار الأول على إزاحة الثاني. ولهذا ترشح فونسيكا ضد راجاباكسا في انتخابات 1010 الرئاسية، والتي حقق فيها الأخير فوزاً كاسحاً كرئيس لفترة ثانية. أما فونسيكا فقد اعتقل وحكم عليه بالسجن مدة عامين قبل أن يعفو عنه راجاباكسا لاحقاً.

وبسبب انتصار الرئيس وقوته من جهة، وضعف حزب المعارضة ممثلاً في الحزب الوطني المتحد من جهة أخرى، استطاع راجاباكسا أن يحشد خلفه ثلثي أعضاء البرلمان من أجل تمرير تعديل دستوري يقضي بإلغاء المادة المحددة لبقاء الرئيس في السلطة فترتين فقط. واتبع ذلك بمجموعة من القرارات التي شكلت في مجملها خروجاً على الديمقراطية مثل:

إلغاء المجلس الاستشاري، وإزاحة قاضي القضاة وتعيين شخصية مقربة منه في مكانه سنة 2013.

وقبل عامين من انتهاء فترته الرئاسية المقررة في 2016، دعا راجاباكسا لانتخابات رئاسية جديدة في 2014 كي يشدد قبضته على البلاد. لكن ما صدمه وخيب آماله، هو فوز «ميتريبالا سيريسينا» (حليفه السابق ووزير صحته) الذي اختاره ائتلاف المعارضة ممثلة في «الجبهة الديمقراطية الجديدة» كمنافس في السباق الرئاسي.

وبوصول سيريسينا (الشيوعي السابق، سليل الفلاحين الفقراء، وحامل دبلومي الزراعة والعلوم السياسية وأحد رموز حزب الحرية السابقين) للرئاسة ــ بفضل أصوات التاميل والمسلمين وأيضاً السنهاليين الغاضبين من نزعة راجاباكسا الديكتاتورية .

وما قيل عن فساده وقبوله عمولات ضخمة من الصينيين لترسية الصفقات عليهم ــ بدأ الرجل عهده بتنفيذ برنامج إصلاحي خلال مئة يوم اشتمل على إعادة التوازن إلى السلطة التنفيذية وتعزيز سلطة القضاء وزيادة سلطات البرلمان ومحاربة الفساد والتحقيق في جرائم الحرب، ووعد أن المئة يوم المقررة ستليها انتخابات تشريعية أملاً في الحصول على برلمان قوي يمرر مشاريعه الإصلاحية من دون عقبات.

في هذه الأثناء انشق 21 عضواً من أعضاء حزب الحرية وانضموا إلى حزبه فصار يملك الأغلبية البرلمانية البسيطة لتشكيل حكومة، فشكل حكومة مؤقتة احتفظ فيها لنفسه بحقيبة الدفاع، وعهد برئاستها إلى ويكريميسينغا (زعيم الحزب الوطني المتحد منذ 1994، وعضو البرلمان الممثل لمنطقة كولومبو منذ 1977، وقائد تحالف الجبهة الوطنية المتحدة منذ تشكيله في 2009).

وهكذا ظل ويكريميسينغا منذ 9 يناير 2015 رئيساً للحكومة في ظل الرئيس سيريسينا إلى 26 أكتوبر 2018 وهو التاريخ الذي فاجأ فيه الأخير شعبه والعالم بإقصاء ويكريميسينغا مع منح منصب رئيس الحكومة لمنافسه السابق على رئاسة الجمهورية الرئيس الأسبق «ماهيندا راجاباسكا».

قائلاً إنهما سوف يتعاونان من أجل تشكيل حكومة جديدة. وبطبيعة الحال رفض ويكريميسنغا القرار ووصفه بالجائر وغير الدستوري، بل دعا رئيس البرلمان لعقد جلسة فورية طارئة ليثبت تمتعه بالأغلبية البرلمانية معولاً على أصوات نيابية من داخل وخارج حزبه.

وفي محاولة من الرئيس سريسينا لقطع الطريق على رئيس وزرائه المقال اتخذ قراراً، بموجب الصلاحيات المخولة له دستورياً، بتجميد أعمال البرلمان حتى 16 نوفمبر الجاري. وقد دفع هذا القرار الأخير رئيس الوزراء المقال إلى رفض إخلاء المقر التقليدي لرؤساء الحكومات السريلانكية المعروف باسم Temple Trees.

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات