الانتخابات الأميركية النصفية ودلالاتها السياسية - البيان

الانتخابات الأميركية النصفية ودلالاتها السياسية

لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية، التي جرت يوم الثلاثاء 6 نوفمبر، مفاجئة. فكثير من المحللين والخبراء توقعوا هذه النتائج. فقد استعاد الحزب الديمقراطي مجلس النواب بأغلبية مريحة، بينما احتفظ الجمهوريون بسيطرتهم على مجلس الشيوخ، بل كسب الجمهوريون مقاعد إضافية فيه.

وتعتبر خسارة حزب الرئيس للانتخابات النصفية مسألة تتكرر في كل الحقب. فقد خسر الحزب الديمقراطي في عصر الرئيس بيل كلينتون الانتخابات النصفية في 1994.

وخسر الحزب الجمهوري نفس الانتخابات في عهد الرئيس بوش الابن في 2006، بعد إعادة انتخابه، وخسر الحزب الديمقراطي عند رئاسة أوباما في 2010. ولكن هذه المرة قد تشي الخسارة بتغيير قادم.

وكما هو معروف فإن كافة التشريعات تحتاج إلى أغلبية من المجلسين لتمريرها كمشروع قانون، ويصبح قانوناً إما بتوقيع الرئيس عليه أو نقضه ومن ثم تمريره من قبل الكونغرس بأغلبية الثلثين رغماً عن فيتو الرئيس. ولكن مجلس الشيوخ يتميز عن مجلس النواب بصلاحيته لإعطاء الموافقة على تعيينات كبار موظفي الدولة بما فيهم القضاة وحتى أعضاء المحكمة العليا، أعلى سلطة قضائية في البلاد.

ويمتلك مجلس النواب حق إجراء تحقيقات مع موظفي الدولة بما فيهم الرئيس، وحق استدعاء الشهود وطلب الوثائق والشروع في إجراءات عزل موظفي الدولة بما فيهم رئيس الجمهورية.

وقد تم بالفعل إجراء من هذا القبيل على الرئيس السابق بيل كلينتون على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي واتهام الرئيس بالحنث بالقسم. ولكن محاكمة الرئيس وإدانته هو من اختصاص مجلس الشيوخ والمطلوب ثلثي الأعضاء للإدانة والعزل، ولكن عدم توفر الأصوات اللازمة منعت من عزل الرئيس كلينتون حينها.

وبالإضافة إلى الموافقة على تعيينات كبار موظفي الدولة، من حق مجلس الشيوخ المصادقة على الاتفاقيات؛ وهذا ما اضطر الرئيس أوباما إلى المصادقة على الاتفاق النووي الإيراني المعروف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة» بواسطة قرار تنفيذي بدلاً من السعي لتصديق مجلس الشيوخ الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون ولا يزالون.

وكما أسلفنا فقد أسفرت الانتخابات الأخيرة عن حكومة منقسمة بين الجمهوريين والديمقراطيين التي كانت انعكاساً لحالة الاستقطاب السياسي الشديد التي يشهدها المجتمع والطبقة السياسية. وبسبب هذه الخسارة فإن مجلس النواب الجديد، الذي سيباشر عمله يناير المقبل، سيبدأ بتحقيقات حول كثير من المخالفات المزعومة التي ارتكبها الرئيس.

وأول هذه التحقيقات ستكون طلب سجلات الضرائب للرئيس ترامب. وترامب على غير عادة مرشحي الرئاسة السابقين، رفض الكشف عن سجلات ضرائبه. فقد اتهم الرئيس أنه وعائلته تهربوا من دفع ضرائب باهظة تتعلق بالميراث حيث قام والد ترامب بتحويل أملاكه لأبنائه لتفادي ضرائب الميراث قبل وفاته.

كما أن التحقيق قد يفضح ادعاءات أنه ملياردير، وأن جمع هذه الثروة الطائلة تؤكد ذكاءه غير العادي في الأمور الاقتصادية والتجارية. وانه الوحيد، ولا أحد غيره، يستطيع إصلاح النظام الذي أفسده الساسة، وخاصة سلفه باراك أوباما.

ويطالب 44% من مجموع الناخبين مجلس النواب بالقيام بإجراءات العزل ضد الرئيس الأميركي. والناخبون الديمقراطيون الأكثر مطالبة بعزل الرئيس، إذ يصل الديمقراطيون من الفئة الأخيرة حوالي 77%، بينما يطالب 5% من الجمهوريين و33% من المستقلين بعزل الرئيس.

ورغم أن قيادة الحزب الديمقراطي المتمثلة في نانسي بيلوسي صرحت بعدم رغبتها بعزل الرئيس، إلا أن هذا الإجراء أصبح أكثر احتمالاً بسبب حالة العداء المستفحل ضد ترامب في أوساط الحزب الديمقراطي.

ويقول المؤرخ الأميركي أدم سميث إن هناك قائمة من الاتهامات التي يمكن أن يوجهها الديمقراطيون في مجلس النواب للشروع بإجراءات العزل. فهناك تهمة بشأن عزل مدير مكتب تحقيقات الفيدرالية، وهو ما قد يعتبر إعاقة للتحقيق حول تعاون مع روسيا بخصوص انتخابات 2016. كما أن هناك تهماً للرئيس بتقويض حرية التعبير عبر مهاجمة الصحافة واعتبارها عدوة للشعب الأميركي.

كما يمكن اتهامه بتأسيس لدين واحد داخل الجمهورية، حين منع المسلمين من الدخول إلى الولايات المتحدة مما يخالف التعديل الأول للدستور. ويتهم بأنه يستغل منصبه للإثراء، وتعاون مع الروس للفوز بالانتخابات الرئاسية، كما انه كشف معلومات سرية للسفير الروسي أثناء لقائه في البيت الأبيض.

ومهما تكن التهم الموجهة إلى الرئيس إلا أنها سترتطم بجدار مجلس الشيوخ الذي سيرفض إدانة الرئيس وعزله من الرئاسة. ويتطلب الإجراء تصويت ثلثي مجلس الشيوخ لتثبيت التهمة وعزل الرئيس من منصبه.

وحتى إذا لم يعزل الرئيس فإن حكمه سيواجه متاعب التعامل مع الأغلبية الجديدة في مجلس النواب في وضع يتسم باستقطاب سياسي شديد. ولن يستطيع الرئيس تمرير كثير من مشاريعه بخصوص الرعاية الصحية أو بناء الجدار العازل مع المكسيك. وسيضطر أن يحكم بمراسيم رئاسية كما فعل سلفه.

الأيام القادمة ستكون أياماً شديدة الصخب في العاصمة الأميركية، ولكن مع قليل من الفعل السياسي. سنسمع جعجعة ولن نرى طحناً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات