حركة التاريخ والآن

تنطوي السيرورة التاريخية على حركات خفية في داخل التاريخ، تتراكم وتتراكم دون أن يحس بها البشر، ولكنها تعبر عن نفسها ببعض الأعراض الداخلية. التي قد تخفي العلاقة بين هذه الأعراض والحركات العميقة. وشيئاً فشيئاً تؤدي التراكمات غير المنظورة إلى تغير كيفي يودي بالقديم على أنحاء مختلفة.

أجل، يعبر الظاهر في الأصل عن الخفي، فوراء الظاهر أسباب عميقة تفسره، وتكمن مشكلة الوعي الكسلان في أنه يبقى على السطح الظاهر، ولا يلتفت إلى ما وراء ما يظهر، فيتناول الظاهر بالنقد والتحليل الفقيرين. والأخطر من ذلك، فإن هذا العقل يقدم حلولاً في تجاوز الظاهر، فيفشل بالضرورة، لأن الظاهر لم يخلق نفسه بنفسه. ويشبه هذا المنطق منطق طبيب يعالج مظاهر المرض وليس أسبابه.

وإذا كان العقل الكسلان هذا شأنه، فإن العقل المحتال يعرف أسباب الظواهر، ولكنه يخفيها عن حقيقتها، لأنه ليس سوى أحد أسبابها بالذات.

ووفق منطق الصراع الجاري حالياً، فإن حركة التاريخ الدامية هذه بكل شرورها ومآسيها ليست إلا وضع النهايات الأخيرة للدكتاتوريات الطائفية والفردية وللحركات الأصولية العنفية، من داعش إلى حزب الله ومن الحوثيين إلى النصرة، وقس على ذلك. فهذه الصور من الحركات هي الأسباب الحقيقية لما يعانيه تاريخنا من مأساة.

فالصراع بالقدر الذي هو صراع القوى التاريخية الحية ضد سدنة هياكل الطغيان، والتأخر التاريخي وكهوف الجهل، من جهة فإنه يظهر أيضاً في صورة صراع بين السدنة أنفسهم، من جهة ثانية. وما هذا وذاك إلا جثث تتصارع، وليس هناك أخطر من الصراع بين الجثث. في الصراع بين الجثث لن يكون هناك منتصر أبداً.

فالطائفية والأصولية والنظام السياسي الدكتاتوري المعبر عن أشكال الممارسات المنحطة أنماط لا يمكن أن تكون أنماط حياة قابلٍ للعيش، أو صور للمستقبل المنشود، ولهذا فهي غير قابلة للحياة، فنمط الحياة المعاصرة يقوم اليوم على ثلاث قيم أساسية: الشعور بالأمن والإنصاف، والكرامة الإنسانية والحرية الفردية. والقوى التي تحمل هذه القيم هي القوى المتصالحة مع منطق الحياة المعاصرة.

فيما القوى المناهضة لهذه القيم هي المغتربة عن العصر وعن حركة التاريخ. ولهذا فمهما أبرزت هذه القوى المغتربة من الحماقة التاريخية والغباء العاطفي والقصور العقلي فإنها لا تفعل سوى إطالة المسافة التي تفصلها عن نهايتها. ولو أن التاريخ سيجري على خلاف ما نرى سيكون هناك تاريخ خاطئ وكارثي، وسيكون أكبر من طاقة الحياة ومنطق العصر والبشر على تحمله.

ولأن الدكتاتوريات تعزل الظاهر عن الباطن الذي يفسر الخراب الحاصل الآن فإنها تقتل الكائن الإنساني، لأنه كائن يسأل. وكائن بلا سؤال كائن ينتمي إلى صنف العجماوات. ولهذا ترى أن أول سجين في أقبية الدكتاتورية والحركات التعصبية العنفية الأصولية هو السؤال.

والعدو الأكبر للأيديولوجيات الكبرى الدينية وغير الدينية هو السؤال. بل إن المظهر الأبرز لهزيمة العقل والقلب هو موت السؤال. والسؤال الزائف الذي لا يقصد المعرفة موت لماهية السؤال.

السؤال لا ينصب على الظاهر بحد ذاته، بل على ما وراء الظاهر، على ما أنتج الظاهر، ومن أنتجه، ولهذا فإن أعداء حركة التاريخ والإنسان يكرهون السؤال وأصحابه.

* ‏‫‬‬‬كاتب فلسطيني

 

تعليقات

تعليقات