تحليل سياسي

إيران في مرمى العقوبات

دخلت العقوبات الأميركية ضد إيران مرحلة جديدة، فبدءاً من هذا الأسبوع لن يكون بإمكان إيران تصدير نفطها، ولن يكون بإمكان بنوكها التعامل مع البنوك الأخرى حول العالم.

عزل صناعة النفط والنظام المصرفي الإيراني بشكل كامل هو الهدف الذي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقه في المرحلة الثانية من العقوبات، بعد أن تم فرض الدفعة الأولى من العقوبات، والتي شملت قدرة إيران على شراء الدولار من أسواق العملات والنقد الدولية، بالإضافة إلى تقييد تجارة إيران في معادن نفيسة وأساسية، والتجارة في مواد ذات صلة بصناعة الطائرات والسيارات.

منذ قيام نظام الخميني في عام 1979 أدخلت إيران نفسها في صدامات مع قوى دولية كبرى، وكانت العقوبات الاقتصادية هي العقاب الذي طبقته هذه الدول ضد إيران. غير أن هذا الصدام لم يكن حتمياً، على العكس فقد اختارت إيران بإرادتها الدخول في عداء مع العالم والجيران، وهو الاختيار الذي سبب الشقاء لجيران إيران، وها هو اليوم يرتد على إيران نفسها.

كان العالم مستعداً للترحيب بثورة الشعب الإيراني ضد الشاه، ومستعداً للتعايش مع نظام الملالي مادام هذا هو خيار الشعب الإيراني. في أواخر عام 1977.

وبينما كانت الاضطرابات الثورية تتصاعد في إيران، وصل الخميني إلى فرنسا، وهناك تمتع بحرية كاملة في العمل من أجل إسقاط نظام الشاه، حتى بدا الفرنسيون كما لو كانوا يشجعون وصول الخميني للحكم. الولايات المتحدة من جانبها مارست ضغوطاً كبيرة على حليفها شاه إيران لمنعه من قمع المحتجين، وصولاً إلى مطالبته بمغادرة البلاد.

استعداد للتعايش

السياسة الغربية كانت كفيلة بإقناع النظام الجديد في إيران باستعداد العالم للتعايش والتعاون معه. لكن نظام طهران الجديد لم يكن في وارد العيش بسلام مع الجيران أو مع النظام الدولي.

فرض حكام طهران الجدد هويتهم على نظام ما بعد الشاه، أما هويتهم فهي ثورية راديكالية، بحيث إن كل مغامرة الثورة وإسقاط الشاه لم تكن تساوي شيئاً في نظرهم لو أن نظامهم تردّد في إظهار العداء للغرب ودول في المنطقة، أو أنه امتنع عن المبادأة بالصراع ضد كل هذه الأطراف.

احتاج قادة إيران الجُدد إلى حدث كبير لتدشين توجههم الثوري، ولإعلان هويتهم الراديكالية صريحة بلا لبس، فكان أن قام عدد كبير من الطلاب الثوريين باقتحام السفارة الأميركية في طهران، واحتجاز العاملين فيها رهائن. حدث هذا يوم الرابع من نوفمبر عام 1979.

وفي نفس يوم الرابع من نوفمبر قبل أيام، في الذكرى التاسعة والثلاثين لبدء أزمة الرهائن الأميركيين، شرعت الولايات المتحدة في معاقبة إيران على استهتارها بأمن وأمان جيرانها. أراد النظام الجديد في طهران أن يدشن دخولاً صاخباً في معسكر الثورة العالمية، وأن يقدم أوراق اعتماده لمعسكر القوى الثورية في العالم والإقليم، فكان الصدام المباشر والصريح مع أميركا، وهي المواجهة التي مازالت مستمرة إلى اليوم.

عقوبات أشد

العامل الأهم الذي يجعل العقوبات الأميركية ضد إيران هذه المرة مختلفة هو طبيعة الإدارة الأميركية. فلدى ترامب عزيمة وتصميم قويين على إرغام إيران على تعديل سياساتها في الإقليم وفي مجالي بناء الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية.

لم يأمر الرئيس الأميركي بإعادة العمل بعقوبات كان قد تم رفعها بعد التوصل للاتفاق النووي مع إيران عام 2015 فقط، لكنه أضاف للعقوبات السابقة نظاماً للتدقيق والمتابعة جعلتها أكثر إحكاماً بكثير من العقوبات التي كان معمولاً بها في الماضي.

صحيح أن الاتحاد الأوروبي لا يتفق مع الولايات المتحدة في الخروج من الاتفاق النووي أو في إعادة العمل بنظام العقوبات، ولكن الاتحاد الأوروبي لا يبدو قادراً على تجنيب إيران مخاطر العقوبات الأميركية.

إيران تغيّرت

الأهم من ذلك هو أن إيران نفسها قد تغيرت، فقد فقدت جانباً كبيراً من الحصانة ضد العقوبات التي كانت لها قبل ذلك. فبعد 40 عاماً من الثورة لم تعد المشاعر الثورية تستحوذ على عقول وقلوب الشعب الإيراني. فالأغلبية الساحقة من الإيرانيين الذين يعيشون اليوم لم يعيشوا تحت حكم الشاه، وبالنسبة لهم فإن الثورة على الشاه لا تمثل مصدراً كافياً للشرعية.

لقد خرج المواطنون في إيران ضد حكم الملالي مرات عدة خلال السنوات العشر الأخيرة، احتجاجاً على الديكتاتورية والفقر. ومن سوء حظ النظام في إيران أن الفترة 2016 - 2018، والتي تم فيها رفع العقوبات، قد عرَّفت الإيرانيين على كثير من أشكال الرفاهية الاستهلاكية التي طالما حُرموا منها، وأغرتهم لتوقّع المزيد، ولكن سرعان ما تجددت العقوبات.

الأرجح أن الضائقة الاقتصادية التي ستتسبّب فيها العقوبات ستكون لها آثار داخلية عميقة على النظام الإيراني، وأن النظام الإيراني بات أمام خيار جدي: إما الكفّ عن الاستهانة بأمن ومصالح الجيران، أو مواجهة غضب الشعب الإيراني الذي لم يعد مستعداً لاحتمال المزيد من أجل خدمة نزوات الاستعلاء والتوسّع المسيطرة على عقول ونفوس حكامه من الملالي.

* كاتب ومحلل سياسي

 

تعليقات

تعليقات