عدسة الأيام

مصبح الظاهري.. مُبدع أول صحيفة إماراتية

«بعد رحلة حافلة بالعطاء والإنجازات امتدت أكثر من 120 عاماً، شكّل خلالها ظاهرة رائدة تستحق التقدير والدراسة والتوثيق، بصفته واحداً من الرواد الأوائل، ترجّل اليوم مصبح عبيد الظاهري، أول رائد من روّاد الصحافة، صاحب أول مشروع صحافي في الإمارات منذ أكثر من 80 عاماً، بالتحديد في عام 1934».

هذا ما كتبته صحيفة «البيان» في عددها الصادر يوم 11 يونيو 2016، ففي ذلك اليوم، انتقل إلى جوار ربه في العين بإمارة أبوظبي مصبح الظاهري صاحب جريدة «النخي» الإماراتية، وتم دفنه عقب صلاة العصر في مقبرة المعترض بمسقط رأسه بالعين، فنشرت كل الصحف المحلية دون استثناء خبر رحيله، وتسابقت الأقلام في رثائه والحديث عن شخصه ومآثره. فمن هذه الشخصية يا ترى؟ وما قصة صحيفة «النخي»؟ ولماذا نتحدث عنهما؟

بدايات

لنبدأ من السؤال الأخير الذي تُمهّد إجابته للرد على السؤالين الآخرين، نتحدث عن الجريدة وصاحبها لأن الكثيرين من أبناء الجيل الجديد في دولة الإمارات لم يسمع بهما أو لا يعلم عنهما شيئاً، فما بالك بأقرانهم في خارج الدولة، وبالتالي فتسليط الضوء عليهما هو في الواقع تسليط للضوء على حقبة البدايات في تاريخ الإمارات، وهي حقبة صعبة كانت فيها الإمارات السبع تئن من الفقر والجهل والأمية، وتفتقر إلى الكثير من الخدمات الضرورية، وإيصال مثل هذه الصورة إلى القراء من شباب اليوم مفيد ومطلوب، كي يدركوا أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود في زمن آبائهم وأجدادهم، وأن ما يعيشون فيه اليوم من رغد الحياة ونعيمه سبقته عقود من التحديات والتضحيات والكفاح والعمل الشاق.

أحداث

طبقاً لما ورد في صحيفة «الاتحاد» (12-6-2016)، ولد مصبح بن عبيد بن مصبح الخميساني الظاهري في العين عام 1896، وبهذا كانت وفاته عن 120 عاماً، عاصر خلالها الكثير من الأحداث والتحولات التي مرت بها الإمارات ومنطقة الخليج العربي والعالم، فمن اكتشاف النفط في بلاده وإنفاق مداخيله على التنمية وتحسين الأحوال المعيشية وإقامة البنى التحتية، إلى إلغاء معاهدات الحماية وقيام الدولة الاتحادية بين الإمارات السبع. ومن تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مقاليد الحكم في أبوظبي خلفاً لأخيه الشيخ شخبوط، إلى انتخابه رئيساً للدولة الاتحادية الفتية. ومن قيام مجلس التعاون الخليجي، إلى حرب تحرير الكويت، مروراً بحرب الخليج الأولى.

علاوةً على ما سبق، فقد عاصر الظاهري الحربين العالميتين: الأولى والثانية، وحربي كوريا وفيتنام، وحروب المنطقة العربية، ابتداءً من حرب فلسطين الأولى، وحرب السويس، وحرب يونيو 1967، ومروراً بحرب «أيلول الأسود»، والحرب الأهلية اللبنانية، وصولاً إلى الغزو الأميركي للعراق والقتال الحالي في سوريا واليمن، وما بين هذا وذاك، كان شاهداً على كل الحركات الانقلابية التي عصفت بالعالم العربي وأرجعته إلى الوراء.

عشائر

أما لجهة النسب، فإن الرجل ولد لأسرة من قبيلة الظاهري المعروفة التي يتصل نسبها إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن ‏مضر بن نزار بن معد بن عدنان، بحسب إحدى الروايات. وهناك بطبيعة الحال روايات أخرى تقول إن الظاهري (أو الظواهر) من أصل قحطاني عُماني قديم، وسُمّوا بهذا الاسم نسبةً إلى سكناهم قديماً في سهل الظاهر بسلطنة عُمان، وبالتالي فلا صلة لهم بظواهر قبيلة قريش أو ظواهر قبيلة حرب. كما قرأت إضافات عن الموضوع نفسه تفيد بأن قبيلة الظاهري أقرب في بنيتها إلى قبيلتي بني ياس والقواسم من حيث إنها حلف قبلي لمجموعة من العشائر وبطون القبائل التي اشتركت في السكن في واحة البريمي قبل استقرارها في قرى العين وضواحيها، والله أعلم.

معارف

في مراحل عمره المُبكّرة، نشأ مصبح الظاهري وترعرع في كنف الشيخ خليفة بن زايد الأول (عم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، طيب الله ثراه)، وتعلّم القرآن الكريم أولاً، ثم أردفه بتعلم الكتابة والقراءة والحساب على يد مربيه الشيخ خليفة بن زايد الأول. وفي هذه المرحلة من حياته، وعلى عادة أبناء جيله الذين كانت فطنتهم وإدراكهم يسبقان أعمارهم، راح يتنقل بين العين وأبوظبي وواحة البريمي، ويحضر مجالس العلماء والشيوخ والأعيان، إضافة إلى مجالس تجار اللؤلؤ من أمثال خلف بن عتيبة، وهو الأمر الذي أكسبه معارف إضافية كثيرة، وأطلعه على تجارب من سبقوه في المغامرات التجارية.

لذا نراه يتجه، وهو شاب، إلى العمل والاستثمار التجاري بخطى ثابتة وعزيمة صلبة، فيبني سلسلة من المحلات التجارية في سوق العين القديمة، مستخدماً السَّعف والطين، ويؤجرها لغيره من التجار، مثل التاجر أحمد السلامي الذي استأجر منه محلاً بـ8 «روبيات» في السنة، ثم يوكل لمجموعة من البنائين مهمة تشييد أول بناية تجارية في العين باستخدام الطين أيضاً، ويفتتح في تلك البناية أول عيادة طبية لطبيب إيراني مع عائلته، ثم يشيّد أول مغسلة للملابس لخدمة الجنود البريطانيين و«الهناجرة» من أصحاب النخيل، إذ كانت الملابس آنذاك تُغسل بالطين والماء؛ لأن الصابون لم يكن معروفاً.

وبالتزامن، افتتح الظاهري أول محل للصرافة داخل منزله لتحويل ما كان يحمله الجنود الإنجليز من دنانير بحرينية وعملات أخرى إلى «الروبية» الهندية التي كانت حتى تلك الفترة هي العملة المتداولة في الإمارات السبع، كما افتتح أول مقهى في العين.

ملتقى

وما يهمنا هنا هو المقهى تحديداً، الذي تحوّل إلى ملتقى اجتماعي ثقافي ترفيهي، واشتهر بتقديم الشاي والقهوة، علاوة على بيع «النخي» (حبيبات الحمص المسلوق التي تعرف في مصر والحجاز بالـ«بليلة») التي كان الظاهري يأتي بها بكميات كبيرة من دبي على ظهور الجمال، بسبب الإقبال الشديد عليه في العين من قبل الفقراء والموسرين على حد سواء. كما اشتهر المقهى بتردد الكثيرين عليه من أجل أن يقرأ لهم الظاهري «مكاتيب» أحبابهم وذويهم المتغربين، على اعتبار أنه كان من القِلّة التي تجيد القراءة والكتابة آنذاك.

أراد الظاهري أن يكثف من مبيعات «النخي»، فعمد عام 1934 إلى كتابة فوائده على جريد النخل وأوراق الكرتون المُقوّى، وعلّق نسخاً عدة منها على جدران مقهاه الشعبي كي يقرأها كل من يتردد على المكان، ولذا قيل عنه إنه مؤسس أول صحيفة اقتصادية من نوعها في الإمارات، كما قيل إنه صاحب أول إعلان صحافي. ويقول داوود محمد، في حواره المشار إليه مع الظاهري في صحيفة «البيان» (مصدر سابق): «إن على رأس فوائد «النخي» التي دوّنها صاحبنا في الإعلان المذكور هو أن هذا النوع من البقولات تحديداً كفيل بتحويل من يتناوله إلى «عنتر»، بمعنى أنه يمنحه «طاقة» مضاعفة».

بعد ذلك راح الظاهري يُطوّر تجربته الصحفية (إنْ صح التعبير). دعونا نقرأ ما قاله بنفسه عن ذلك (بتصرف): «طورتُ التجربة لاحقاً، فبدأت بكتابة الأخبار والمعلومات عن المواليد والوفيات والأعراس وأحوال الطقس، وحتى حالات الطلاق في مناطق العين، فضلاً عـن أخبار وصول القوافل التجارية الآتية من دبي وأبوظبي والشارقـة، وظروف الطريق من العين إلى دبي وأبوظبي، وفي مرحلة لاحقة أضفتُ الأخبار التي كنتُ أسمعها من إذاعة صوت العرب ولندن». إلى ذلك، دأب الظاهري في تلك الفترة على جمع الأخبار والقصص من أبناء الإمارات العائدين من العمل في دول الجوار مثل البحرين والكويت والمنطقة الشرقية من السعودية، ونشرها في صحيفته التي كانت حتى ذلك الوقت تشبه صحف الحائط المدرسية.

تطوّر

ثم حدث التطوير الأهم، وهو اتخاذ الورق العادي في تحرير مواد الجريدة بدلاً من جريد النخل والورق المقوى، ونشرها وبيعها للمهتمين بشؤون الإمارات.

وهكذا ظهرتْ أولى صحف الإمارات البدائية من منطقة العين بجهود الظاهري الفردية تحت اسم «النخي»، هذا الاسم الشعبي الغريب الذي التصق بها دون تخطيط، نتيجة عمل عفوي هو الدعاية للنخي.

نعم، كان الظاهري شديد الاهتمام بمقهاه، وكان حريصاً على عدم التفريط في زبائنه، فأحضر لهم الأسطوانات وجهاز «الفونوغراف» المعروف محلياً باسم «البشتخته» لأول مرة في تاريخ العين، إذ اشتراه من تاجر في دبي اسمه يوسف حبيب اليوسف، ثم زوّد مقهاه بجهاز الراديو، واضعاً إياه في مكان مرتفع مميز.

ولهذه الخطوة الأخيرة قصة رواها بنفسه مفادها أن جندياً بريطانياً أتى ذات يوم إلى المقهى وبيده جهاز لم يره الظاهري من قبل، فسأله عن الجهاز الذي كان يطلق أصواتاً ومعزوفات، فرد الجندي قائلاً: إنه الراديو، وأراه طريقة تشغيله وإغلاقه وتغيير موجاته.

وعلى حين راح بعض رُوّاد المقهى يكبّر ويستعيذ من الشيطان الرجيم ظاناً أن الآلة الغريبة مسكونة بالجن والعفاريت، راح البعض الآخر يهرول بعيداً من شدة الخوف. أما صاحبنا الظاهري فقد كان في هذه الأثناء مشغولاً بالتفاوض مع الجندي البريطاني على شراء مذياعه، فباعه إياه في نهاية المطاف بـ25 «روبية».

مع مرور الأيام تكيّف رُوّاد المقهى مع الراديو، بل استحسنوا وجوده وباتوا لا يستغنون عنه في جلساتهم، أما الظاهري فقد راح يعتمد عليه مصدراً لالتقاط الأخبار، ثم اختصارها في جمل قصيرة، فتحريرها يدوياً في صحيفته، لكن يبدو أن تعلّق الظاهري بإذاعة «صوت العرب» المصرية، ومداومته على الاستماع إلى مذيعها المعروف أحمد سعيد، صاحب التعليقات النارية والتحليلات التحريضية، جعلاه ذات مرة يـُقْدم على تجربة كانت الأولى والأخيرة له، وهي كتابة مقال سياسي ونشره في «صحيفة النخي»، هذا العمل ألّب عليه سلطات الحماية البريطانية، فكان قرارها بإغلاق الصحيفة.

مشاريع

في أعقاب إغلاق الإنجليز صحيفة «النخي»، راح الظاهري يركز جهده وكامل طاقته على أعماله التجارية داخل بلاده، مضيفاً إليها بعض المشاريع التجارية في دول الجوار الخليجي، حتى غدا واحداً من أصحاب المقاولات الإنشائية الضخمة والأثرياء الكبار الذين يطمع فيهم الآخرون، بدليل أنه تعرض -كما قيل وتردد- في أواخر حياته لعملية نصب واحتيال من أحد الأشخاص الأكثر قرباً منه، وهو مدير أعماله الذي عمل معه على مدى ربع قرن تقريباً، علماً بأن هذه الحكاية شغلت الناس والمحاكم طويلاً.

الغريب في حكاية الظاهري أنه عاش طيلة حياته عازباً دون زوجة أو أبناء، باستثناء أشهر عدة تزوج خلالها بسيدة، وانتهى زواجه ذلك بالطلاق وعدم تكرار التجربة مرة أخرى. وقد تحدّث الرجل في حواره مع صحيفة «البيان» في عام 2005 (مصدر سابق) عن المرأة والزواج، فقال: إن المرأة لا تشكّل هاجساً أو حاجة في حياته. وفي الحوار نفسه، أرجع بقاءه طويلاً على قيد الحياة إلى امتناعه عن الزواج والإنجاب، قائلا لمحاوره: «تصدّق لو أنني تزوجت لفقدت حياتي من زمان ولم أعش لهذه الأيام».

قصائد

من الأمور الأخرى عن الرجل أنه قرض الشعر، وله قصائد في مدح حكام الإمارات، ووصف بعض إمارات بلاده، ناهيك عن قصائد أخرى في الغزل والوصف والحنين إلى الماضي. من قصائده القصيدة التالية التي صاغها - قبل وفاته - حباً لدبي، وإشادة بشيوخها الأكارم من آل مكتوم:

الخير جاها من السما وغطاها

                  راشد بن سعيد الذي بناها

شوف المشاريع التي سواها

                 تشبه عروس واقفه بمغشاها

الشيخ مكتوم الذي علاها

                      أسس مبانيها على تقواها

الشيخ حمدان بالذهب حلاها

                    الكل يحب دبي ولي فكرها

والشيخ محمد بالفكر غذاها

                  بالحلم والأخلاق رفع طرواها

قدوة للعالم والعرب سواها

                 رفع دبي للثريا والنجوم سواها

حتى المحاكم والداير كلها

               تمشي على حسب النظام خلاها

الأمن.. ما قصر ضاحي وربعه

                      وقد أسود يد واللي وياها.

ونختتم بذكر شيء عن أيام الرجل الأخيرة قبل رحيله إلى جوار ربه، وهي أيام عاشها بصعوبة بسبب أمراض الشيخوخة وتقدم السن، خصوصاً أنه كان وحيداً بلا زوجة أو أبناء، فتولى رعايته بعض أقاربه الذين أكدوا أن الظاهري ظل حتى آخر يوم من حياته يمتلك ذاكرة قوية وروحاً مرحة، ويحنّ إلى أصدقائه من التجار، وإلى سوق مدينة العين القديمة، وإلى أيام الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، يوم أن كان حاكماً لإمارة أبوظبي.

ذكريات

في ذكرياته التي رواها لداوود محمد، مراسل صحيفة «البيان» (26-10-2005)، شرح مصبح الظاهري كم كانت الحياة في أيامه بسيطة وادعة، فقال ما مفاده أن مقهاه كان المكان الوحيد في العين الذي يتجمع فيه أبناؤها وغيرهم من القادمين من مناطق أخرى مثل «الجاهلي» و«المويجعي» و«المعترض» و«البريمي»، إضافة إلى بعض الجنود الإنجليز، من أجل السهر وتناول القهوة والشاي على ضوء القمر.

وأضاف: «كانوا (أي رُوّاد المقهى) أيام البرد يلتحفون أكياس الرز الخالية، ويفترشون بقايا علب الكرتون، ويتبادلون القصص والحكايات والأشعار حتى أذان العشاء، ثم يخلدون إلى النوم».

60

من اللافت في سيرة مصبح الظاهري، أنه كان من أوائل أبناء الإمارات الذين التقتهم الصحافة اللبنانية وأجرت معهم حواراً. ومبعث الغرابة هنا هو أن الصحافة اللبنانية آنذاك لم تكن تولي اهتماماً كبيراً بشؤون دولة الإمارات التي لم يكن بها في تلك الفترة المبكرة من مسيرتها الظافرة حراك اقتصادي وثقافي يُذكر.

فقبل أكثر من 60 عاماً، زار العين الإعلامي اللبناني علي عبّود خصوصاً للالتقاء بالظاهري والإطلاع على تجربته الإعلامية البسيطة، على اعتبار أنه خاض مجال الصحافة بالفطرة ومن غير أن يمتلك أياً من مقوماتها ومن دون أدنى معرفة بتقنياتها.

فاستقبله الظاهري وأسكنه في عمارته بسبب خلوّ العين من الفنادق وبيوت الضيافة وقتذاك، ثم استضافه بمنزله لإجراء مقابلة صحافية معه، وقد نشر الإعلامي عبّود المقابلة في الصحافة اللبنانية لاحقاً.

تعليقات

تعليقات