من بوسطن إلى نيويورك وبالعكس!

غادرت بوسطن صباح الثلاثاء الموافق ٢٣ أكتوبر المنصرم في طريقي إلى نيويورك لزيارة صديق وأسرته كما اعتدنا أنا زوجتي كل عام.

كان الطقس رائعاً كما جاء في تنبؤات حالة المناخ، عندما يكون الحال كذلك فإن المتعة تكون مزدوجة، فالوقت خريف، وحينما يكون الزمن هكذا فإن الطبيعة تكون في أبهي حللها، حيث تتغير أوراق الشجر عبر كل ألوان الطيف وحسب وقوع كل منها في مسار الضوء، وضوء الشمس على سبيل التحديد.

الطريق يمشي هكذا كما لو كان جنة ساحرة، يتحول إلى لوحات تشكلها الخضرة والألوان والأشجار وانحناءات الطريق وارتفاع وانخفاض التلال، ومن وقت إلى آخر يبرز جسر أنيق لآثار تاريخ مضى يربط بين مدن أو يبرز بحيرة زرقتها من زرقة السماء فوقها.

كان الوقت المقدر للرحلة أربع ساعات، وفي نهايتها بالتمام والكمال كنت قد وصلت إلى نيويورك: التفاحة كما يدعونها التي صارت لسبب ما عنواناً للذنب الذي أخرج آدم من الجنة، ولكنه عندما جاء إلى الأرض صارت مساراً للإثارة والمال والمتعة.

التفاحة صارت فيما بعد العلامة التجارية لشركة «آبل» التي صارت أول الشركات التي قيمتها تريليون دولار، ومنتجاتها لم يكن فيها معصية من أي نوع وإنما فتحت للبشر دنيا ربما لم تتكرر!

وجدت صديقي العزيز في الانتظار كما اعتدنا، وكما اعتدنا أيضاً كان سؤاله الأول سياسياً حول الحملة التي ترافقت مع موضوع مقتل جمال خاشقجي .

كان التلفزيون لا يزال يعالج الموضوع، وينشر التقارير، ولكن وسط الأخبار الكثيرة لفت نظري خبر باقٍ من اليوم السابق ـ الاثنين ـ عن وصول طرد حمل مفرقعات إلى الملياردير «جورج سورس».

بدا الأمر ساعتها مستغرباً، ولكنه لم يستغرق تفكيراً طويلاً، فهناك قائمة طويلة من أعداء الرجل على اليمين واليسار؛ وعلى أي الأحوال فإن التحقيق سوف يأخذ مساره المعروف، في اليوم التالي، الأربعاء، انقلبت أميركا كلها رأساً على عقب، واختفت قصة الصحافي كلها وحلت محلها شبكة جديدة من الأخبار حول موضوع المفرقعات التي جاءت في طرود إلى مجموعة مؤثرة بشدة في الرأي العام الأميركي: فقد وصلت إلى الرئيس باراك أوباما ومعه بالطبع زوجته ميشيل أوباما، كما وصلت إلى الرئيس بيل كلينتون ومعه ـ أيضاً بالطبع ـ زوجته هيلاري كلينتون، والنائب العام السابق إريك هولدر، ونائبة مجلس النواب عن دائرة في كاليفورنيا ماكسين ووترز.

وذهب طرد آخر من المفرقعات إلى الرئيس السابق للمخابرات المركزية الأميركية «جون برينان» ولكن عنوان الرسالة كان على مكاتب شبكة «سي.إن.إن» الإخبارية في نيويورك (على مسيرة عشر دقائق من حيث أقيم). مع صباح الخميس كان قد أضيف إلى القائمة نائب الرئيس أوباما «جو بايدن» في ولاية ميريلاند، والممثل الأميركي المقيم في نيويورك «روبرت دي نيرو».

نيويورك من تلك النوعية من المدن التي إما أن تحبها أو تكرهها، فهي من الإثارة بحيث تشعرك دائماً باللهفة، ولكنها من الوحشية والابتزاز العاطفي الذي يجعلك تتمنى أن تتركها على الفور. بالنسبة لي فالأرجح أنني كنت دوماً من النوع الذي لا يتمنى أبداً العيش في المدينة الأشهر في الولايات المتحدة، ولكن بضعة أيام تكفي دوماً للحديث في السياسة مع الصديق.

كيف تتعامل مدينة كبيرة عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، وقائمة على عدد من الجزر المترابطة بجسور تاريخية، وأهمها «مانهاتن» يوجد فيها أكبر تجمع لناطحات السحاب في الدنيا كلها، وهي المكان الذي جرت فيه أكبر العمليات الإرهابية في التاريخ في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، ومن ساعتها فإن جهاز الشرطة فيها يعد الأكبر بين مدن العالم، وربما كان الأكثر خبرة في مقاومة الإرهاب.

مشيت في شوارع المدينة الكبيرة حتى وصلت إلى قلبها ما بين ميادين «كولمبس» و«الجراند بارك». كانت الشرطة موجودة في كل مكان تقريباً، ولكن شارعاً واحداً لم يغلق، لم ترتبك حركة المرور، ورغم الازدحام الشديد كانت كل الأمور منضبطة.

ألقت الشرطة بياناً مهماً على الإعلام أكدت فيه أولاً أن المدينة آمنة، وأهلها و«زوارها» آمنون؛ وثانياً أن التحقيقات جارية، والفحوص للأدلة من طرود المفرقعات تسير في مسارها لدى معامل مكتب التحقيقات الفيدرالية؛ وثالثاً أنه على المواطنين الإبلاغ عن أي أمر مهما بدا بسيطاً للشرطة؛ ورابعاً أن عليهم تقديم كل معاونة ممكنة للشرطة لكي تؤدي مهمتها، و«للصحافة حتى تقوم بوظيفتها».

سارت الرحلة كما كانت تسير كل مرة، ولم يكن التواجد الكثيف للشرطة الودودة أكثر من إضافة استدعتها الأحداث الجارية. وبعدها آن الأوان للعودة إلى بوسطن مرة أخرى.

تعليقات

تعليقات