ابتلعهم البحر الميت!

فراشه الليلة بارد. لن تذهب أمه لتغطيه. لن يعود الطفل إذاً إلى المدرسة. لقد ابتلعه السيل. ليس وحده، معه حوالي 20 آخرين ذهبوا في رحلة مدرسية إلى أخفض نقطة في الأرض، البحر الميت، ليصعدوا شهداء إلى أعلى نقطة في السماء.

ذاك الخميس الأسود استيقظ الأردنيون على «الفاجعة». أهالي طلبة الرحلة هرعوا إلى المنطقة المنكوبة تسبقهم دموعهم ودعواتهم لأبنائهم بالنجاة. لجأوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يجري. تعددت الروايات حول سبب الكارثة. منهم من قال إنها الأمطار ومنهم من قال إن فتح سد أغرق الوادي السحيق بالمياه والطين. لكن، مهما اختلفت الأسباب فإن الموت واحد.

أصدق الروايات عادة تأتي من شاهد عيان بل من معلمة نجت مع الناجين الأربعين من الكارثة. تقول المعلمة لإحدى المحطات الفضائية الأردنية: «لم أكن أريد أن أشارك بالرحلة لكن طالباتي ألححن عليّ أن أذهب معهن فوافقت. قسمنا أنفسنا إلى مجموعات وكنت مسؤولة عن مجموعة من ثمانية طلاب وطالبات. بينما كنا نسير في بطن الوادي العميق بين جبلين شاهقين فوجئنا بمياه جارفة تأتي من أعلى الوادي. ابتعدنا قليلاً إلى أعلى فلحقت بنا المياه الطينية. صعدنا أكثر إلى الجبل، ازداد صعود المياه، جاءنا أحد منقذي الرحلة محاولاً الإسراع بإنقاذ أحد الأطفال لكن الماء كان أسرع منه فتركنا قائلاً: اصعدوا إلى الجبل وسأعود ولا أدري هل وصل إلى الضفة الأخرى أم جرفه السيل».

تتابع المعلمة الناجية: «أصبحنا على سفح الجبل معلقين بين الصخور والسيل. وحين حلّ الظلام شعرنا بخوف شديد، لم نعد نملك غير الدعاء. استسلمنا لقدرنا وسلمنا أمرنا لله. أمضينا على هذا الحال حوالي ثلاث ساعات. وفيما كان السيل ينحسر حضر رجال الدفاع المدني وأنقذونا».

على مدى يوم وليلة عاش الأردنيون على أعصابهم. لكأنهم كلهم أهل الأطفال الضحايا. وفي لحظة الغضب تكثر الشتائم وتحميل المسؤولية. منهم من حمّلها للمدرسة، ومنهم من حمّلها للجهة التي قالوا إنها فرغت السد تفادياً لفيضانه قبيل الأمطار المتوقعة، ومنهم من حمّلها لوزارة الأشغال المسؤولة عن جسر انهار في المنطقة بفعل الأمطار، ومنهم من حمّلها لوزارة التربية التي سمحت بالرحلة مع علمها أنها رحلة سفاري ومغامرات في منطقة خطرة لا تناسب أطفال مدرسة.

الرواية الرسمية قالت إن الترخيص أعطي الرحلة إلى منطقة «الأزرق» شبه الصحراوية، ونشرت صورة عن الترخيص، وأن المدرسة قامت بتحويل الرحلة إلى منطقة وادي الزرقاء. ربما تشابه في الأسماء بين الزرقاء والأزرق جعل الموت الأسود مصير هؤلاء الأطفال. الحقيقة الآن في عهدة لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة.

في كل كارثة تفاصيل محزنة. ومن مآسي كارثة أطفال البحر الميت أن ابنة مديرة المدرسة كانت بين الطلبة المتوفين، فيما تحدثت روايات أن المديرة نفسها توفيت لاحقاً حزناً على ابنتها. أيضاً ظل أهل طفلة يبحثون عن ابنتهم ثلاثة أيام ليكتشفوا أن المستشفى سلَّم جثتها لأهل طفلة أخرى ودفنوها على اعتبار أنها ابنتهم، حيث إن ثمة شبهاً كبيراً بين الطفلتين.

كما كان بين الضحايا ثلاثة عراقيين مقيمين في الأردن، هم فتاة في العشرينيات يعتقد أنها من المرافقين للرحلة المدرسية، وطالبان، أحدهما كان يقيم مع أبيه في عمّان قبل أن تبتلعه السيول، وكانت والدته توفيت قبل شهر.

لماذا البحر الميت؟

ثمة من يعتقد أنها منطقة ملعونة، حيث خسف فيها الله الأرض بقوم لوط. وهي أخفض منطقة في الأرض عن سطح البحر. طقسها حار وتعتبر مشتى أقيمت عليه عدة فنادق سياحية. مياه البحر ثقيلة مليئة بالمعادن. لا تعيش فيه الأسماك ولا أية أحياء. طميه يستخدم علاجاً للأمراض الجلدية. وفي منطقته ينابيع مياه ساخنة تستخدم أيضاً علاجاً لعدة أمراض وخاصة المفاصل والعظام.

قبل احتلال الضفة الغربية كان الجانب الغربي من البحر الميت جزءاً فلسطينياً من المملكة الأردنية الهاشمية، وبعد الاحتلال أصبحت إسرائيل تسيطر على نصفه الغربي وأقامت عليه عدة مشاريع ومنتجعات سياحية.

تعليقات

تعليقات