قميص خاشقجي

منذ اللحظة الأولى لاندلاع قضية خاشقجي أعادت قناة الجزيرة القطرية التذكير بحادثة تاريخية إسلامية كانت مدخلاً للخوارج في صدر الإسلام الأول، وكانت مفتاحاً لفتن أوقعت الخلافات في أمة الإسلام وحتى اليوم، لم يكن دور قناة الجزيرة القطرية جديداً بمقدار ما يكشف بجلاء حقيقة استهداف المملكة العربية السعودية كهدف مكشوف، وأن ما يحدث في كل عملية التسخين العالية بشأن قضية جمال خاشقجي تأتي في سياق مؤامرة الخريف العربي الذي ضربت رياحه العاتية عواصم عربية مختلفة في العام 2011م.

ليس ثمة مجال للبحث عن المقاربات أو حتى التخمينات في قضية خاشقجي، فلقد كشف أحد أبرز منظري التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين الأبرز التونسي راشد الغنوشي الحقائق كما هي وهو يخاطب أنصاره في مقاربته هو وليس أحد غيره بقوله: «المناخ السياسي العالمي حالياً يشبه المشهد التراجيدي الذي شهدته سنة 2010م باحتراق الشاب محمد البوعزيزي، وما فجّره من تعاطف إقليمي ودولي، والظروف التي قذفت به إلى ذلك المشهد»، هذا الحديث وما يحمله من مقاربة تكشف بواقع الحال أننا أمام قضية مفتعلة تلعب فيها شبكات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أدوارها بإتقان عبر كافة المنصات المختلفة سياسية وإعلامية تماماً كما حدث ذلك في تونس ومصر وسوريا والبحرين وليبيا واليمن في 2011م.

ما يحدث ليس لعبة قذرة فحسب، بل حرب مستعرة لم تتوقف يوماً واحداً بدأت منذ أربعة عقود بوصول الخميني إلى السلطة في إيران شتاء العام 1979م، وبنجاح الثورة الإيرانية كانت المرحب الأول جماعة الإخوان المسلمين في مصر لتبدأ الوقائع باستهداف السعودية دولةً وكياناً حامياً للحرمين الشريفين، فلم تكن محاولة جهيمان احتلال الحرم المكي سوى بداية للحرب، تجاوزت السعودية أكبر وأخطر حادثة إرهابية عرفها التاريخ المعاصر، فلا يوجد حادثة إرهابية وصلت إلى هذا الحد من الخطر المباشر، وبقيت السعودية تخوض المعارك المختلفة حتى وهي تقوم بواجباتها بدعم العراق في حربه ضد إيران، وتقديم الأرضية السياسية للفرقاء في لبنان عبر اتفاق الطائف 1989م، وتقف إلى جانب الكويت في استعادة شرعيته وسيادته الوطنية بعد الغزو في العام 1991م.

وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م كانت تستهدف السعودية، ومع ذلك مرت تلك الأزمة كغيرها من الأزمات، وخاضت المملكة تحدياً حقيقياً في حربها على الإرهاب، وباتت رأس الحربة في حرب ضروس شرسة وصلت إلى استهداف المدن السعودية عبر تنظيم القاعدة الذي كان قد استحدث من الأرض اليمنية موقعاً رئيسياً بعد أن سقطت خرافة قندهار، وتحولت المعركة لمواجهة مفتوحة أيضاً نجح السعوديون في إحباطها والانتصار عليها، وتقدمت السعودية في حرب فكرية بهدف تجفيف منابع الإرهاب واجتثاثه من عقول فاسدة اعتقدت أنها بالترويع وبث الرعب قادرة على إسقاط الحق.

لم تكن صيحات الإخوان في 2011م سوى جزء من سعي القوى الظلامية لتحويل المجتمعات العربية لمناطق نفوذ للإيرانيين والأتراك، وتحقيق المطامع الخارجية في العالم العربي بأدوات الإسلام السياسي شيعية وسُنيّة على حد سواء، وتكفل النظام القطري بتمويل الفوضى وبرعاية من الرئيس الأميركي باراك أوباما تحت شعار التغيير الذي رفعه مع دخوله البيت الأبيض عام 2009م، وكان على السعودية مواجهة هذه الحرب المجنونة بكل بشاعتها، ونجحت مع دولة الإمارات في استعادة مصر العروبة في 2013م لتكون حجر الزاوية في الإمساك بزمام المبادرة في هذه الحرب.

في ظهوره الأول معلقاً على حادثة مقتل خاشقجي في مؤتمر مبادرة الاستثمار، أكد الأمير محمد بن سلمان على مسألة أساسية هي أن الحرب على التطرف والإرهاب لن تتوقف أو تتأثر، فهذه حرب لا مساومة فيها، أبدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ثباتاً وصلابة كما كان جده المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه، هذا الموقف بحد ذاته هو صخرة تتحطم عليها أوهام وأحلام المريدين بعمود الخيمة العربية الشرور، في هكذا مواقف تختبر الدول ورجالها، وفي هكذا أزمات تصنع الشعوب تاريخها، ستمضي السعودية إلى مستقبلها بعزم لا يلين، فهي قادرة على أن تتجاوز المحطات الصعبة، وتذهب بعيداً إلى تحقيق غاياتها الكبيرة، فهذه هي أقدار الكبار في مواجهة الأشرار، وإن حملوا قميص خاشقجي والبوعزيزي معاً.

 

 

تعليقات

تعليقات