مرض العنصرية المقيتة

يبدو أن العالم يشهد تراجعاً واضحا بخصوص المسألة العنصرية. فما كان مرفوضاً منذ عقود قليلة صار يحدث اليوم بمعدلات متسارعة تتزامن مع تصاعد تيار اليمين الشعبوي حول العالم.

كان آخر الوقائع المؤلمة لعنصرية صريحة، لا مستترة، ذلك الذي دار على متن رحلة لإحدى شركات الطيران المتجهة من برشلونة إلى لندن. فقد تعرضت سيدة سوداء لعدوان لفظي بالغ العنصرية تبعه نقل الضحية، لا المعتدى، من مقعدها.

فالسيدة السوداء، ديلزي جايل، التي تبلغ من العمر السابعة والسبعين وتعاني بعض الإعاقة الجسدية، فقدت هذا العام زوجها الذي رافقته رحلة الحياة لأكثر من خمسين عاماً. وقد فكر أبناؤها وقاموا فعلا بترتيب رحلة لها لإسبانيا لعلها تساعدها على التغلب على حزنها العميق لوفاة زوجها. وفي رحلة عودتها على رحلة رايان إير إلى لندن، كان مقعد واحد يفصل بين مقعدها ومقعد رجل أبيض.

وقبل إقلاع الطائرة من مطار برشلونة، كان الرجل قد انطلق في وصلة من الإهانات العنصرية التي يعاف القلم أن يترجمها للعربية، فضلاً عن صياحه في وجه السيدة السوداء المسنة بألا تتحدث إليه «بلغة أجنبية»، صارخاً بأن عليها أن تنتقل لمقعد بعيد عنه، وإلا سيدفعها بنفسه من مقعدها. وكأن ذلك لم يكن كافياً، فقد قام مضيفو الرحلة بنقل السيدة فعلاً، لا من وجه لها الإهانة دون سبب، من مقعدها لمقعد آخر.

لكن القصة برمتها افتضح أمرها حين قام أحد الركاب بتصوير الواقعة القبيحة برمتها بالفيديو، فرفضت شركة الطيران التعليق، متعللة بأنها أحالت طرفي الواقعة، لا المعتدي وحده بالمناسبة، للشرطة للتحقيق فيها.

لكن ماذا عن السيدة المسنة التي تعرضت للإهانات العنصرية؟ فهي أصلاً كانت في رحلة ظن أبناؤها أنها قد تساعدها على مغالبة أحزانها. وهي لم ترتكب جرماً من أي نوع. ثم أن موطنها، بالمناسبة، هو بريطانيا، ولا تعرف لنفسها وطناً غيره. كما أنها لا تتحدث «بلغة أجنبية» كما تصور الرجل الأبيض الذي أهانها، وإنما تتحدث اللغة الإنجليزية مثله تماماً.

فقد تبين أن السيدة من الجيل الذي يعرف في بريطانيا «بجيل ويندراش»، نسبة إلى اسم أول سفينة وصلت للشواطئ البريطانية حاملة الآلاف من المهاجرين من دول الكاريبي الذين ذهبوا لبريطانيا بدعوة صريحة من حكومتها بعد الحرب العالمية الثانية.

فبريطانيا كانت وقتها في حاجة للعمالة، فطلبت أولئك المهاجرين وفتحت أبوابها لهم ورحبت بهم على مدى عقود كاملة. وهم أسهموا فعلاً في إعادة بناء بريطانيا التي دمرتها الحرب وصاروا من دافعي الضرائب فيها.

وليس سراً أن بعض المراقبين قارنوا بين ديلزي جايل وروزا باركس، التي سيظل اسمها محفوراً في ذاكرة العالم. ففي عام 1955، كانت روزا باركس، الأميركية السوداء، تجلس في القسم الخاص بغير البيض في إحدى حافلات الركاب. وهي رفضت ترك مقعدها لرجل أبيض بعد أن امتلأت مقاعد البيض بالحافلة.

ورفض باركس ثم حبسها كان الشرارة التي أدت لحملة ضخمة قاطع فيها السود الحافلات بمدينة مونتجمري، ضمن فعاليات أخرى أعطت دفعة قوية لحركة الحقوق المدنية، التي قضت على الفصل العنصري الذي كان مقنناً وقتها بالولايات المتحدة.

والمقارنة بين ديلزي جايل وروزا باركس تكشف بوضوح عن التراجع العالمي فيما يتعلق بالمسألة العرقية. ففي الوقت الذي رفضت فيه الشابة روزا باركس أن تترك مقعدها في خمسينات القرن الماضي، أجبرت السيدة المسنة ديلزي جايل في القرن الحالي على ترك مقعدها. ولم يتم تعويض الأخيرة عما لحق بها من أذى.

يحدث ذلك بينما يعرف القاصي والداني أن مسألة العرقيات برمتها مسألة مصنوعة اجتماعياً ولا أساس لها من العلم. فلون البشرة لا معنى له أصلاً ولا يترتب عليه اختلافاً بين البشر في القدرات والإمكانات الشخصية، وإنما يضفي كل مجتمع على ذلك الاختلاف في اللون المعنى الذي يريده.

والمعنى، المصنوع اجتماعياً، يختلف من مجتمع لآخر، فيكون في بعض تلك المجتمعات مرتبطاً بدرجة اللون لا اللون نفسه. بعبارة أخرى، تضفي مجتمعات بعينها، كالولايات المتحدة، معنى على كون الشخص أبيض أو أسود، بينما في بعضها الآخر، مثل بعض دول أميركا اللاتينية، يضفي المجتمع المعنى وفق درجة سواد البشرة، الأمر الذي يكشف بوضوح عن هزلية المسألة برمتها.

ولأن المسألة العرقية مصنوعة صنعاً، فقد كافح الكثيرون حول العالم، من الولايات المتحدة لجنوب أفريقيا كفاحاً طويلاً ومريراً من أجل حصول البشر على الحقوق المتساوية بغض النظر عن العرق أو اللون. غير أن الواضح لكل ذي عينين أن حركات كثيرة حول العالم تبحث دوماً عن كبش فداء تتهمه بالمسؤولية عن مظالمها، فتجد ضالتها في المسألة العرقية المصنوعة صنعاً.

وهو ما يعني أن العنصرية ستظل واحدة من أهم الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها البشرية. ومن ثم سيظل الكفاح ضد العنصرية المقيتة كفاحاً مستمراً، يشهد صعوداً وهبوطاً مثلما يشهد بعض الإنجازات وبعض الكبوات أيضاً.

 

 

 

تعليقات

تعليقات