القيادة الإماراتية والتجربة البرلمانية

يمكننا - بسهولة - ملاحظة اهتمام القيادة في دولة الإمارات وحرصها على افتتاح كل الأدوار التشريعية للمجلس الوطني الاتحادي ووفق البرنامج المحدد زمنياً له، حيث تتم من قبل رئيس الدولة أو نائبه من تأسيس «المجلس» في 1972 إلى يوم الأحد الماضي الذي كان بداية الدور الرابع والأخير من الفصل التشريعي السادس عشر والذي تفضل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» بافتتاحه.

وينبغي ألا يكون هذا الحرص مستغرباً ممن يتابعون التجربة التنموية الشاملة لدولة الإمارات وقصة نجاحها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، لأن أهم ما يميز المشاركة السياسية عندنا عن غيرها من الدول في العالم ذلك الدعم من القيادة الإماراتية لإنجاح وتعزيز وتطوير هذه التجربة ليس فقط من أجل تنفيذ استراتيجية «التمكين السياسي» التي أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في العام 2005، ولكن لأنها السلطة المخولة دستورياً برقابة عمل الحكومات وإصدار التشريعات المنظمة للعمل الحكومي التي باتت لا غنى عنها في إنجاح المنظومة الشاملة للتنمية في أي نظام سياسي في العالم.

ربما يبدو أمر اهتمام القيادة السياسية بالسلطة الرقابية فريداً من نوعه عندما تذكره في المجتمعات الأخرى لأنه عمل غير شائع في النظم السياسية التي تتنافس فيها السلطات الثلاث ولكن أن تقوم الحكومات بتشجيع الجانب الرقابي فهو أمر غريب إلا أنه عندما ندرك أن هدف السلطات الاتحادية الخمس في الإمارات كلها المشاركة في إسعاد الشعب هنا يكون الأمر طبيعياً.

ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس الحياة البرلمانية في دولة الإمارات إلا أنه من السهولة ملاحظة الحفاوة والحماس الشديدين اللذين يحظى بهما افتتاح الأدوار التشريعية «للمجلس» سواء من الحضور الرسمي أو من التغطية الإعلامية (كما حدث في بداية هذا الأسبوع) وهذا يمكن إرجاعه إلى شيئين اثنين، الشيء الأول: تأكيد العلاقة أنها تشاركية بين الحكومة وهي السلطة التنفيذية في الدولة والمجلس الوطني الاتحادي وهو السلطة التشريعية والرقابية على العمل الحكومي.

الشيء الثاني: حضور المسؤولين الحكوميين ومختلف شرائح المجتمع مناسبات الافتتاح في دلالة - لا تحتاج إلى تأكيد - على الرغبة في إنجاح عمل هذه السلطة. لأن المحصلة النهائية هي خدمة الإنسان الإماراتي وليس التنافس بين السلطتين كما هو معتاد في الدول الأخرى.

ويتعدى سقف تطلعات القيادة الإماراتية لدور المجلس الوطني الاتحادي الدور الداخلي بقدر أهميته ولكن كون أن العمل هنا يستند إلى التشارك في خدمة الدولة الاتحادية وتحمل مسؤولية شعبه فإنه بات للمجلس أيضاً دور دبلوماسي بجانب دوره التقليدي (الرقابي والتشريعي) يساهم في تعزيز مكانة دولة الإمارات في المجتمع الدولي ويعمل على دعم القضايا الوطنية للدولة من خلال المشاركة في الفعاليات البرلمانية في العالم ومن خلال تبادل الزيارات مع ممثلي الشعب في العالم فنحن في عالم لم يعد عمل البرلماني محدوداً ومتواضعاً لأن الطموحات التنموية الإماراتية كبيرة وبالتالي تحتاج من الجميع التعاون في مواجهتها.

نحن أمام تجربة ديمقراطية تقوم على التشارك والتعاون من أجل خدمة شعب الإمارات، وخاصة أنه لا يوجد نظام برلماني واحد يجمع عليه في العالم أنه الأفضل وإنما هناك أنظمة مختلفة لكن هدفها في النهاية ينبغي أن يصب في مصلحة مواطنيها.

وكما هو معروف للجميع أن الإمارات منذ بداية الدولة الاتحادية تستفيد من تجارب الآخرين وممن سبقوها في المجالات التنموية المختلفة في العالم كي تتجنب الأخطاء والسلبيات التي وقعت فيها بعض الدول وأنها تضع «بصمتها» في كل تجربة لتتوافق وخصوصيتها المجتمعية بدلاً من نقل التجارب كما هي لأن البيئات الإنسانية والاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، وربما هذا أحد أسباب أنها تمثل «أيقونة» للآخرين.

أختم بنقطتين: إن التجارب الإماراتية دائماً مثيرة للإعجاب لأنها تعمل على تحقيق الإنجازات والتعامل مع التحديات بواقعية من خلال رؤية واضحة لدى قيادتها تلخصها في أن الاستثمار في الإنسان الإماراتي هو الثروة الحقيقية وبالتالي فهي تعرف ما تريد أن تصل إليه. وتعلمنا من الإمارات أن التجارب الإنسانية تنضج بالتدريج مع الاستمرارية والرعاية والاهتمام من القيادات السياسية.

 

 

 

تعليقات

تعليقات