نحو نزع سلاح كوريا الشمالية

يزداد وضوحاً مع الأيام، أن الأطراف المعنية في تحرير كوريا الشمالية من الطاقة النووية، بما في ذلك الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، تخففان وطأة المتطلبات المتوجبة على كوريا الشمالية، بما قد يسمى تساهلاً دبلوماسياً.

وقد اتخذت الأمور طابعاً أكثر إلحاحاً في ظل قمة سنغافورة التي لا تبعد حوالي أربعة أشهر، وحيث لا يزال يحكى عن لقاء سيجمع قريباً بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

وكما هي حال الدبلوماسية دوماً، يطرح السؤال عن كيفية تعريف النجاح نفسه. قد يكون السلام جواباً مناسباً، حيث إنه من المؤكد أهمية حفظ السلام في شبه الجزيرة الكورية في ضوء التكاليف الاقتصادية والبشرية الباهظة التي قد تخلفها أي حرب تقع.

لكن إذا جاء تفادي الحروب على حساب كل ما عداه، فهناك خطورة من المساومة على مصالح مهمة أيضاً. كما يحوم الخطر من أن الترتيبات التي وضعت لتلافي التوترات في المدى القريب قد تهدد السلام على المدى البعيد، لأنها ستتطلب تسويات وروادع حقيقية مقابل الوعود والاحتمالات.

وهناك دليل قائم أصلاً يؤكد عدم اهتمام أي من كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة بمحاسبة كوريا الشمالية أو طلب جردة كاملة بأسلحتها النووية، الأمر الذي لا يمكن بغيابه تحقيق أي نزع فعلي للسلاح النووي أو تثبيته. ويبرز القلق في الوقت عينه من ممانعة الشمالية مثل هذا الطلب، بما قد يتسبب بنشوب أزمة.

وقد قدمت كوريا الجنوبية بدلاً من ذلك اقتراحاً يقول إنه سيكون كافياً في الوقت الراهن، بأن تعمد كوريا الشمالية إلى تدمير أي من منشآتها النووية. أما أميركا، فتتوخى من جانبها التحلي بالصبر وتنصح المشككين بعدم زيادة المطالب من كوريا الشمالية. ونشهد في كلتا الحالتين، تردداً في إدخال كوريا الشمالية في اختبار قد تفشل فيه.

ونرى في الوقت عينه، أن حملة ممارسة «الضغوط القصوى» قد انتهت بالفعل، بالتزامن مع دعوات لتخفيف وطأة العقوبات والتلكؤ في فرض المنصوص عنها أصلاً. كما عمدت كل من كوريا الجنوبية وأميركا إلى إلغاء التدريبات العسكرية والتراجع عن اعتماد القوة والتخفيف بالتالي من وطأة الضغط على نظام كيم في مثال صارخ عن التساهل الدبلوماسي.

ويؤشر مثل هذا التردد إلى خطر السماح لنظام كيم ليس الاحتفاظ بترسانته النووية وحسب، بل زيادتها. ويمكن لكوريا الشمالية في الواقع إغلاق أو تدمير منشآتها، لكنها لن تتمكن قط من التخلي عن برنامج التسليح النووي مع الاستمرار في بناء قدراتها.

وقد يكون مبرراً سبب امتناع كوريا الشمالية عن الدخول في مفاوضات سيطلب منها خلالها القيام بكل شيء قبل تلقي أي شيء. وستطالب بالتعويضات التي ستأتي ربما على شكل تخفيف العقوبات الاقتصادية مقابل تقليص قدراتها النووية.

وسيدعم مثل هذا المطلب بالتأكيد كلاً من الصين وروسيا، إلا أن مكافأة كوريا الشمالية بسخاء مقابل إجراءات جزئية، سيضعف عزمها اتخاذ خطوات إضافية، والمضي قدماً بالأحرى في سياسة التخلي عن برنامج التسلح النووي.

بالرغم من تغريدات ترامب وتصريحاته، فإن التخلي عن برنامج التسلح النووي ليس واقعاً ولا حتمية. بل إنه يبقى مجرد هدف غير مرجح، بعيد المنال. التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة وكوريا اليوم تقريب أجل تحقيق الهدف دون حصول تباعد بينهما.

ويبقى السبيل الأمثل لتحقيق ذلك من خلال الاستشارات الوثيقة، والتزام تفادي مفاجآت يقوم بها أحد الطرفين أو الدخول في صفقات أحادية منفصلة، كما التوصل إلى صياغة اتفاقية شاملة حول ما يجب التوصل إليه عبر المسالك الدبلوماسية وما الواجب الحصول عليه بالمقابل.

ولابدّ كذلك من مواصلة التدريبات العسكرية والعقوبات الاقتصادية القائمة، حتى تلمّس تغييرات مهمة تقلص من تهديد كوريا الشمالية. لابدّ من التفكير بالمسألة من بوابة التصعيد الدبلوماسي.

 

 

 

تعليقات

تعليقات