أمتنا بين الماضي والمستقبل

لعلكم تلاحظون معي أعزائي القراء أننا كثيراً ما نحنّ للماضي، ولا أقصد الحنين لذكريات الماضي الشخصية؛ إنما الحنين لتاريخنا كأمة إسلامية أو عربية، ونتعامل مع الماضي كمن يبكي على الأطلال يفاخر الدنيا بإنجازات ليست من صنع يديه إنما هي إنجازات شخصيات وأقوام مرت في تاريخنا ونسبنا فضلها لنا، ومع كل هذا الحنين لتاريخنا وحبنا العظيم لأبطاله وشخصياته هل فكرنا يوماً أن نكتب مستقبلنا؟، وهل فكرنا كيف نكتب تواريخ مستقبلنا وتدوين تفاصيله بخطة محكمة تضمن لمستقبلنا أن يدوّن في أنصع الصفحات بدلاً من تدوين التاريخ والوقوف على أطلاله.

مع تطور المجتمعات اليوم أصبحنا بحاجة لاعتماد مقولة «من ليس له مستقبل ليس له حاضر»، فلو نظرنا نظرة سريعة لمصاف دول ومجتمعات العالم لوجدنا أن من يضع الخطة لمستقبله هو من يكتب حاضراً مكللاً بالنجاح، وعلى العكس أيضاً من لايزال متشبثاً بتاريخه وكأنه الشفيع له في كل الأزمات والمحن تزداد محنه وتتلاحق أزماته.

ربما هذه الحالة وجدت لكون تاريخنا الإسلامي مرتبطا بشخصيات إسلامية عظيمة، ولكن بدلاً من الاستفادة من تجاربهم لملء صفحات الكتب فلنسعَ للاستفادة منها في بناء المستقبل؛ بناء أجيال تكتب المجد بإنجازاتها وليس بمجرد التفاخر بمن سبقونا وما فعلوه من أمجاد نسبت لهم ولأمتنا، وكان لزاماً الحفاظ عليها وعلى إرثها بأن نُعّد العدة ونخُط الخطة من أجل حاضر ومستقبل أفضل لنا ولأجيالنا القادمة.

الماضي ليس له مستقبل إلا إن أوصلناه بالحاضر وراح بامتداده إلى المستقبل، ولو ركزنا في جميع مؤلفاتنا ونتاج أفكارنا في تحليل المستقبل ومخاطره وفرصه وكيفية مواجهة المستجدات لكنا في حال أفضل مما نحن عليه الآن، كان الألزم برمجة العقول العربية على أنها جزء من عجلة التطور التي تدور سريعاً آخذة معها كل سلحفاة بطيئة في مواكبة ركب التطوير والمضي نحو الأمام بخطة مدروسة.

نتاج العقول العربية بحاجة إلى إعادة توجيه وتغيير في بوصلتها الرئيسية، كما أن مكتباتنا تعج بملايين الكتب والمؤلفات التي تحاكي الماضي وتحلل أحداثه وشخصياته دون أن تجعل منها مرجعاً للمستقبل بدلاً من كونها مجرد قصة مشوقة، أحداثها أصبحت من الماضي.

إن النظرة المحبطة لمستقبلنا والتفاخر بماضينا دون تحريك عجلات التقدم جعل نتاج أمتنا الفكرية يكاد لا يذكر في ظل هذا الزخم الهائل من المعرفة التي وصلنا إليها اليوم في هذا العالم، فكل يوم جديد يأتي معه اختراع بل اختراعات جديدة تسهل من مستقبلنا.

النظرة العامة لمجتمعاتنا العربية كمجمع عربي كامل ـ وليس ما وجد فيه من استثناءات مغايرة ـ تكاد لا تخلو من الصورة القاتمة لمستقبلها على عكس النظرة الإيجابية لماضيها وتاريخها، والصحيح أن تنقلب الآية لتصبح النظرة للمستقبل هي الإيجابية بأم عينها، والماضي ما هو إلا دروس وعبر وأخطاء علينا أن نتداركها في المستقبل.

قد يعتقد البعض بأنني متحامل على التاريخ، ولكن في حقيقة الأمر أنني متحامل على التعاطي العربي مع مستقبله ومستقبل شعوبه، فلن نُذكر في أحسن صور التاريخ إلا إذا ركزنا على بناء حاضرنا بما نخطط لأن نكون في المستقبل.

بلا شك شعوبنا العربية والإسلامية شعوب عاطفية، لذا علينا إيجاد المعادلة والموازنة الصحيحة بين التفاخر بإرث الأجداد وطموحات الأبناء، ولهذا على أصحاب الرأي والقرار في حكوماتنا العربية أن ترسم طريقاً واضح المعالم لمستقبل أمة قد ينساها الزمان ما لم تضع بصمتها في العلوم الحديثة، وما يستجد من تطورات واختراعات في مختلف القطاعات والميادين، والبداية تكون من المدارس بتخصيص حصص تواكب المستقبل، وتدعم رؤاه الفكرية والعلمية والتقنية، وذلك لكون أننا خير أمة مستعدة لهذه التطورات، فنخّرج للبشرية مجتمعات قادرة على جعل حياتهم أفضل، لنخّرج لهم عقولاً تعلمت الدرس كيف تأخذ من إرثها ما يفيد حاضرها ومستقبلها، وهذه هي الموازنة المفقودة.

 

 

تعليقات

تعليقات