«الأمن المائي» قبل أي شيء

أزمة المياه تطلّ بقوة في أكثر من بلد في منطقة الشرق الأوسط، وتتصاعد بسببها التوترات، وتتزايد المخاوف من نشوب صراعات وحروب في المستقبل، فالمياه الصالحة للاستهلاك البشري والحيواني وللصناعة والزراعة في تقلّص مستمر مع تزايد الحاجات لها في جميع دول العالم.

في العراق قضايا مهمة عدة تواجه الحكومة الجديدة، إلا أن أبرزها حصراً هو ما يتعلق بمستقبل الحياة فيه وفي مقدمتها «الأمن المائي» الذي أصبح مهدداً بشكل خطير بعد أن فجرته وجلبته إلى العلن أزمة محافظة البصرة.

المياه شريان الحياة لجميع المجتمعات وأحد أبرز الركائز لاقتصاداتها، المياه في العراق في تراجع مستمر كماً ونوعاً، فليست كمية ما يصل منها هي المشكلة الوحيدة التي تواجهه، بل نوعيتها ومدى ملائمتها للاستخدام في الأوجه التي أشرنا إليها.

جذور هذه الأزمة تحسسها العراق منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وما كان لها أن تتفاقم وتصل إلى المستوى الذي وصلت إليه لو عولجت بمسؤولية كجزء من سياسات استراتيجية مستقبلية لمواجهة الخطط التركية والسورية ببناء السدود على نهري دجلة والفرات، وخطط إيران بإنشاء السدود على نهر الكارون الذي يصب في شط العرب، وأخرى على نهر الكرخة الذي يصب في هور الحويزة في محافظة ميسان ثم تغيير مسارهما داخل الأراضي الإيرانية، علماً بأن ما كان يصل العراق من هذين النهرين في مناسبات عديدة هي المياه الثقيلة الناتجة عن عملية البزل وإزالة أملاح التربة.

معظم الأنهار في العالم عابرة للحدود بين الدول، فهي تجري قبل تأسيسها ووضع الحدود بينها، وحول مجاري هذه الأنهار نشأت منظومات بيئية متكاملة بشرية وحيوانية ونباتية تعايشت معها في حالة هدوئها وحالة غضبها، إدامة هذه المنظومات البيئية هي الفيصل في أية مفاوضات بين الدول المتشاطئة، فالمياه ملك لهذه المنظومات وليست ملكاً لدول المنابع فقط، فالغيوم التي جلبت المياه ليست بالضرورة قد تشكلت في دول المنابع.

على مدى الخمس عشرة سنة التي انقضت منذ التغيير في 2003 لم تبذل جهود تذكر ناحية تحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي، ولم تلق ما تستحق من اهتمام وسط الصراعات والتجاذبات السياسية التي استنزفت الموارد المالية التي دخلت خزينة البلد.

هناك صعوبات تكتنف إدارة الموارد المائية، لأن مصدر هذه المياه هي دول الجوار التي تتحكم بمقدار ما يُسمح بمروره إلى العراق، إذ ليس هناك اتفاقيات معها حول ذلك. فأزمة المياه في العراق لا تخلو من أبعاد سياسية تتحمل وزارة الخارجية قدراً من المسؤولية إزاءها، فالتبادل التجاري الواسع مع تركيا وإيران لصالحهما لا ينبغي أن يتم دون أن يكون للملف المائي حضور قوي فيه، فضعف التنسيق مع دول الجوار رغم العلاقات الحسنة معهما أحد نقاط الضعف في السياسة الخارجية العراقية.

ثمة صعوبات أخرى على المستوى المحلي، فقد تكرست في ثقافة الفرد العراقي بعض المسلمات الخاطئة، وهي أن العراق بلد الثروات المائية، حيث يجري النهران العظيمان دجلة والفرات وفروعهما وتمتلئ البحيرات والأهوار بالمياه العذبة. تبعاً لذلك لم يكن الترشيد في استهلاك المياه سلوكاً يُمارس، بل كان الهدر هو الديدن على جميع المستويات الرسمية والشعبية. أما الحقيقة فهي غير ذلك، فالعراق مصنف دولياً ضمن المناطق الجافة التي تشكو من شحة الأمطار، وأن ثلثي مساحته تغطيها الصحارى التي تزحف لتلتهم الثلث المتبقي. فالهجرة من الأرياف إلى المدن في ازدياد بسبب الجفاف وتوقف جريان المياه في الأنهار الفرعية وفرض القيود على زراعة بعض المحاصيل الزراعية التي تستهلك المياه أكثر من غيرها وهو ما ستنعكس نتائجه على أسعار هذه المحاصيل. كما أن أزمة شحة المياه خاصة في محافظات الوسط والجنوب قد خلق مشاكل داخلية بينها بسبب التجاوزات على الحصص المائية.

تحلية المياه على نطاق واسع ليس الخيار الأفضل لكلفتها المالية الباهظة بالنسبة لموقع العراق جغرافياً في أعالي الخليج العربي، حيث تصل نسبة الملوحة إلى ستة وخمسين ألف جزء في المليون، في حين تبلغ هذه النسبة في البحار خمسة وثلاثين ألف جزء في المليون. من ناحية أخرى هناك تكلفة مالية أخرى تترتب على ضخ المياه المحلاة إلى مدن وسط العراق التي ترتفع مكانياً عن مواقع محطات التحلية على شط العرب أو مدخل الخليج العربي بعشرات الأمتار.

* كاتب عراقي

تعليقات

تعليقات