أبو حلمي.. مصري من الخليل

«والدي تزوج خمس نساء ولا أدري ابن من منهن أنا». تظن الرجل يهذي. تستغرب وتسأله: معقول يا رجل، هل هناك إنسان لا يعرف أمه؟! يطلق ضحكة سوداء ويقسم أنه لا يعرف أمه» ولدتني وتوفيت وأنا رضيع، أعطاني أبي لإحدى زوجاته لتربيني، ثم توفيت وأنا أحبو، والثالثة أيضاً توفيت وأنا لم أدرك ملامحها بعد.. تقاطعه لأنك استنتجت بقية الحكاية، حسناً ومن اعتنى بك بعد ذلك؟

يجيب: عندما توفي والدي تولاني عمي. رباني وعشت بين أولاده وبناته إلى أن بلغت الثامنة عشرة فسافرت إلى ليبيا أيام الملك إدريس السنوسي، وعملت هناك لخمس سنوات إلى أن قام القذافي بانقلابه، وتغيرت الدنيا فقررت أن أتوجه إلى أوروبا لأصبح مهاجراً باختياري. عشت في ميلانو خمس سنوات ثم انتقلت إلى بلغاريا ثم هنغاريا. وفي كل تلك المحطات كان ثمة شيء ينتظرني، إنه الشيء نفسه الذي جعلني بلا أم أعرفها، سمّه القدر، سوء الحظ أو ما شئت.

عمره تجاوز الستين ببضع سنوات، رسام، فنان، مصور، نجار، حداد، دهان، بناء وربما أخرى لم اكتشفها بعد. احتجت قبل ثلاث سنوات لبناء كوخ من خشب سروة اقتلعتها عاصفة عنيفة، فدلني عليه صديق قائلاً: ما لك إلا أبو حلمي. وفعلا جاء الرجل البسيط في منظره الممتلئ مواهب وصنعات لكن بخته ضائع. لديه معدات النجارة والحدادة والدهان. بنى الكوخ من خشب السروة المرحومة التي قصدت أن أخلدها بقبر حي من الجمال، أضاف إليها خشب ارابيسك فإذا بالكوخ قصر من خشب ألوذ به من غابة الإسمنت الخانقة في المدينة.

قلت له أحب فوانيس معلقة على عمدان كتلك اللندنية من العهد الفكتوري لتذكرني بروايات الأخوات ايميلي وتتشلرلوت وآن برونتي وتشارلز ديكنز وروبرت براوننغ وغيرهم. قال بلهجته المصرية: «وماله اعملك». وفعلاً عمل. قضبان حديد لحمها بالشكل الذي أريد. وفانوس معلق على كل منها. تضيء ساحة البيت والمقاعد الخشبية التي صنعها من خشب قديم كتلك التي في حدائق روما وباريس.

تستدرك وتسأله: نسيت أن اسألك، لهجتك مصرية، هل أنت مصري؟ قال لا. أنا فلسطيني. كيف؟! قلت له مستغرباً خاصة وأن كل كلامه باللهجة المصرية. قال هاجر أبي إلى مصر في الخمسينيات وكنت طفلا. وكان أخوه قد سبقه إلى مصر في الأربعينيات وتحديدا بعد نكبة 1948 مباشرة. وعاش هناك. تعلم أن مصر أم العرب تحضن كل عربي يأتي إليها. عمل عمي في التجارة فيما عمل والدي في الديكور والتصوير والرسم. قاطعته: «اها، إذن الفن في شخصيتك وراثي». وقال: نعم ولكن..!

حزنت عليه وسألت نفسي: ماذا لو عرف أبو حلمي أمه؟ هل يكون على هذه الحال من ضنك العيش والتشظي من مهنة إلى مهنة ومن بلد إلى بلد؟

فهناك الكثير من الأمهات غيرن مجرى التاريخ، وكان لهن أكبر الأدوار في إعداد رجال تركوا بصماتهم حاضرة حتى الآن. تذكرت حكاية أم عبقري القرن العشرين توماس أديسون الذي أضاء العالم باختراعه المصباح الكهربائي حين عاد من المدرسة حاملا ورقة من مديرتها كتب عليها ما معناه إن ابنك متخلف، ولا يمكننا إبقاؤه في مدرستنا، انه مطرود. سأل الطفل توماس أمه عن فحوى الورقة. فقالت له: يقولون إن ابنك عبقري ومستواه أعلى من مدرستنا. في تلك اللحظة قررت أم توماس أن تعلم ابنها بنفسها. بعد وفاتها بحث توماس في خزانة أمه فوجد الورقة. وقال: ها أنا أصبحت بفضلك العبقري توماس يا أمي.

ثمة أمهات أخريات ربين رجالا عظاما خلدهم التاريخ. الملكة «ماري بونابرت»، التي كانت أماً لأربعة عشر ملكاً من أعظم ملوك العالم، فكان منهم «نابليون بونابرت»، الذي سيطر على جزء كبير من العالم.

الموسيقار العظيم «بيتهوفن»، الذي أدهش العالم بمقطوعاته الموسيقية كانت خلفه أم عظيمة انتبهت لموهبته وهو ابن الثالثة، وتغلبت على ما كانت تعانيه بسبب إدمان والده، فـكانت تدخر من قوت يومها حتى استطاعت إحضار «البيانو» له، حرصاً منها على تشجيعه وإبراز موهبته.

يلح على التساؤل كلما رأيته: ماذا لو عرف أبو حلمي أمه ورعته؟ بل ماذا لو لم يحتل الصهاينة بلده لو بقي أبوه وعمه في حضن الأم الكبرى.. فلسطين؟!

* كاتب أردني

تعليقات

تعليقات