تحليل سياسي

لماذا يكرهون السعودية؟

كشف مقتل الكاتب جمال خاشقجي، رحمه الله، عن عمق مشاعر الكراهية التي يحملها كثيرون تجاه المملكة العربية السعودية. تغطية إعلامية مكثفة على مدار الساعة للحادث المحزن والجريمة النكراء، فيما الهدف هو شن حملات الكراهية ضد المملكة. تحدثوا عن جمال خاشقجي فيما سعوا إلى استهداف المملكة. رفعوا شعارات البحث عن الحقيقة والإمساك بالجناة فيما المقصود هو معاقبة السعودية وتقويض أمنها.

كراهية السعودية عقيدة ثابتة لدى بعض التيارات وجواز مرور وبطاقة عضوية في بعض الدوائر. الإيرانيون يكرهون السعودية لأنها الدولة التي تقف حائلاً بينهم وبين السيطرة على المنطقة.

لولا العملية العسكرية التي يقودها التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن لكان هذا البلد اليوم مستعمرة تدور في الفلك الإيراني، وحبة إضافية في سبحة العواصم العربية المحكومة من طهران. تزعمت السعودية حملة انتقاد اتفاق إيران النووي مع الدول الست لأن الاتفاق ترك لإيران حرية مواصلة التوسع في الإقليم من دون رادع.

نجحت السعودية في تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران، وكسبت إدارة الرئيس دونالد ترامب لموقف المملكة. أعلن الرئيس الأميركي انسحاب بلاده من الاتفاق وفرض عقوبات جديدة ضد إيران. الاقتصاد الإيراني يترنح، وخزانة تمويل التوسع الإيراني في المنطقة أوشكت على الجفاف، ولهذا تكره إيران السعودية.

لا تتدخّل

السعودية ليست طرفاً في سياسة أميركا الداخلية، هي فقط تبحث عن مصالحها ومصالح حلفائها العرب. للرئيس ترامب خصوم كثر في الولايات المتحدة؛ فهناك الديمقراطيون الذين انتزع منهم مقعد الرئاسة، وهناك الجمهوريون من كوادر الحزب الجمهوري الذين اختطف ترامب تذكرة الترشح باسم الحزب من فوق رؤوسهم، وهناك الليبراليون الذين يجدون ترامب محافظاً بأكثر مما تحتمل معدتهم. كل هؤلاء يتربصون بالرئيس ترامب، ووجدوا في مأساة خاشقجي فرصة لضربه.

حكام قطر يكرهون السعودية لأنها دولة كبيرة وهم لا يحبون الكبار. تقويض دول العالم العربي الكبيرة هو جوهر مشروع «الحمدين» لإفساح المجال أمام إمارتهم للقيام بدور الشريك الصغير لقوى خارجية إيرانية وغربية وإسرائيلية.

قطر دولة في وزن الذبابة، لكنها تريد ملاكمة الكبار في الوزن الثقيل. تآمرت قطر على مصر وسوريا والعراق وليبيا، لكن السعودية هي من تصدى لها. قطر المعزولة عربياً تكره السعودية التي ذكرتها بحجمها وبحقائق القوة في المنطقة.

الغرب واليسار

الحضارة الغربية الراهنة هي الوريث لتقاليد يونانية رومانية، هكذا يحدثنا خبراء الثقافة والحضارة الغربية. الجذر الديني للحضارة الغربية يهيئ للغربيين الشك في الإسلام والمسلمين كخصوم تاريخيين لأوروبا.

توسع المسلمين القادمين من الصحراء على حساب الإمبراطورية البيزنطية، الحملات الصليبية التي استمرت مئتي عام، حصار العثمانيين لفيينا؛ ذكريات ما زالت حاضرة في ذاكرة الغرب. كان هذا في الماضي، أما اليوم فإن موجات المسلمين اللاجئين إلى أوروبا أحيت هناك مزيج الخوف من المسلمين.

ذكريات الماضي والحاضر تهيئ النفس الغربية لكراهية الإسلام والمسلمين، ولا شيء يجسد الإسلام والمسلمين أكثر من السعودية وفيها الكعبة والنفط معاً. في الحملة ضد السعودية تأجيج للكراهية ضد المسلمين الذين يراهم الكارهون «متطفلين على الحضارة يقتل بعضهم بعضاً».

لدى اليسار ألف سبب لكراهية السعودية، ولليسار نفوذ كبير في الإعلام رغم تهافته السياسي. السعودية حليف قديم للولايات المتحدة، واليساريون يكرهون أميركا. السعودية اقتصاد رأسمالي لم يعرف موجات الاشتراكية والتأميمات الفاشلة التي فرضها اليساريون على بلادهم.

انهزمت موجة اليسار والقومجية العربية فيما بقيت السعودية دولة رئيسة في العالم العربي والشرق الأوسط. يرفض اليساريون والقومجية الاعتراف بالهزيمة وتحمل المسؤولية عنها، ويبحثون عن كبش فداء يحملونه وزر هزيمتهم فلا يجدون سوى السعودية.

الليبراليون

الليبراليون أيضاً يكرهون السعودية، ويحملونها مسؤولية تعثر جهدهم التنويري. خسرت المنطقة كثيراً عندما تعثر التنوير الليبرالي، لكن لهذا التعثر أسباب كثيرة موضوعية وذاتية لا يجوز اختزالها في المملكة وتقاليدها الثقافية والدينية.

ولكي تكتمل المفارقة فإن الإسلاميين المنتسبين لما تسمى بالصحوة الإسلامية وجماعة الإخوان هم أيضاً يكرهون المملكة. حاول هؤلاء اختطاف الإسلام، واحتكار التحدث باسم الإسلام والمسلمين، ولم يكن هناك من منافس ذي مصداقية لهم سوى المملكة.

حاولوا تحييد المملكة أو كسبها لصفهم في أكبر عملية خداع كان يمكن للعالم العربي والإسلامي الوقوع في فخها. تصدت السعودية المسلمة لإسلاميي «الصحوة» و«الإخوان»، فتمت هزيمتهم في مصر وغيرها من بلاد المنطقة. تحولت موجة المد التطرفي إلى انحسار، فكره الخاسرون المملكة، وتحينوا الفرصة للتحرك ضدها.

لا شيء يجمع أعضاء الحلف المعادي للمملكة سوى الاتفاق على كراهيتها والعمل على تقويضها. إظهار الحقيقة ومعاقبة قتلة خاشقجي هما قضية عادلة، لكن حلف الكراهية هذا ليس لديه أية قضية نبيلة أو عادلة.

 كاتب ومحلل سياسي

تعليقات

تعليقات