مهارات القياديين

ليس صحيحاً أن توافر المهارات الشخصية يقتصر على المرؤوسين، فحتى القادة ينبغي أن تتوافر فيهم مهارات محددة. وقد دخلت مؤسسات عامة وخاصة بل دول بأسرها التاريخ من أوسع أبوابه بفضل ذلك القائد الألمعي. وهناك من طواه النسيان لأنه كان يفتقد لمهارات القادة.

كتب ومقالات المهارات لا تعد ولا تحصى، لكن كثير منها يبنى على انطباعات شخصية. فهل توصل العلم إلى ما يضع يده على مهارات محددة؟ الإجابة القاطعة صعبة لأن رحلة البحث لا تنتهي. ولأن القيادة بحد ذاتها لها نظريات عدة تتقاطع أحياناً. غير أن العلماء أظهروا أن القياديين يتحلون بمهارات معينة في «نظرية المهارات» الشهيرة. فمثلاً ترى في شقها الثاني أن القياديين يمرون بثلاث مراحل أساسية تبرز بها مهاراتهم. الأولى الخصال الشخصية فلا يمكن أن نتخيل مسؤولاً لا يتحلى بشخصية قوية، أو يفتقد للدافعية أو الذكاء اللازم لمواجهة التحديات. والذكاء نوعان: البيولوجي، المتعارف عليه، وهو الذي يتآكل مع تقدم العمر، والآخر الذي تصقله الخبرات العملية والحياتية فهو يستمر. وهذا ما يجعل بعض القياديين الذين يتحلون بصفات فذة يبقون ملهمين ومراجع مهمة لأن خبرتهم هذه قد تراكمت وترسخت على مر السنين. ولذلك أيضاً نرى أصحاب الخبرات الجيدة يقدمون استشارات تستقطب المهتمين.

الجزء الثاني، من مهارة القائد هي كفاءته. وقد كشف العلماء ذلك في بحث موسع على نحو 1400 شخص من قياديي الجيش الأميركي، التي خرجت منها نظرية المهارات. فاتضح أن كفاءة القيادي، علاوة على أنها تبنى على خصاله الفردية، إلا أنها تتكون أصلاً من مسألة في غاية الأهمية وهي مهارة حل المشكلات في المقام الأول ومدى معرفته knowledge. وقد رأينا كيف تضيع الأمم والمؤسسات بسبب تولي شخص لا يفقه أبجديات حل المشكلات. فكلما جاءه المحيطون بحلول لا يجد في نفسه المقدرة على انتقاء الأفضل، ولا لديه المعرفة اللازمة لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ولا نقصد بالمعرفة الفنيات لأن الفنيات تقل حاجتها في المراتب القيادية فهي الشغل الشاغل لمن هم دونه. وإذا ما أخفقوا جاز له التشمير عن ساعديه ومواجهة تقصير من لا يحترمون تلك الثقة التي منحهم إياها بتنويره بالتفاصيل لكي يتخذ القرار المناسب.

وإذا ما كانت مهارة الخصال الشخصية والكفاءة جيدتين فإنهما تقودان عادة إلى الجزء الثالث وهو «مخرجات الأداء» القيادي الفعال. ومعنى الفعالية هنا أن يصبح لدى القائد مقدرة فعالة على حل المشكلات، وبروز تطور ملحوظ لأدائه الذي يشار إليه بالبنان. ويصقل كل ذلك عنصران أساسيان وهما الخبرة العملية والبيئة المحيطة. فكلما خاض القائد مهام قيادية مختلفة وربما قطاعات متعددة أسهم ذلك في صقل أدائه مقارنة «بأسير» الوظيفة الروتينية الواحدة طوال مسيرته.

وكذلك الحال مع البيئة، فمهما كانت مهارات القائد، يبقى أنه يواجه مشكلتين. الأولى هي المشكلات الداخلية مثل رداءة الموظفين، أو من عينوا قبله بالطرق «الباراشوتية»، أو تدهور البيئة الإدارية جذرياً كل ذلك يسبب تحديات مثبطة لكونه لا يستطيع أن يصلح الحال لارتباطه بقوانين أو قرارات مجلس الإدارة «السلحفاتية». والثانية أمور خارجية مثل تدهور الاقتصاد أو الأوضاع السياسية أو الاجتماعية، فتصبح مهاراته في مهب الريح فلا يتمكن من ترجمة ذلك في نتيجة نهائية مرضية.

غير أنه لحسن الحظ مهما كانت التحديات الداخلية والخارجية، فإن وجود مهارات القيادي بحد ذاتها مطلب مهم فهي مثل محركات الطاقة التي تحرك تلك الغواصات العملاقة في قيعان المحيطات باتجاه أهدافها.

* كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات