«الديمقراطية الإسرائيلية».. عنزة ولو طارت

إقرار الكنيست الإسرائيلي في يوليو الماضي ما يسمى «قانون القومية اليهودية»، كان بمثابة التوقيع الأخير على لوحة تضمنت مئات المعالم والخطوط وأنماط السلوك الثقافية والاجتماعية والحقوقية والسياسية داخلياً وخارجياً؛ التي يكفي كل واحد منها لوسم إسرائيل الدولة بالعنصرية. قبل صدور هذا القانون بكثير، شاركت أغلبية دول العالم في دمغ إسرائيل وخلفيتها الفكرية بهذا الوسم. ذلك حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 قرارها الخاص برمي الصهيونية بالعنصرية والتمييز العنصري.

إلغاء هذا القرار الأممي لاحقاً، مثّل انتكاسة فكرية وحقوقية وترجمة لحقائق القوة المتغيرة على الصعيد العالمي، ولم يكن بأي حال إصلاحاً لخطأ في فهم مبنى الصهيونية ومعناها. فقد ظلت هذه الفكرة وكيانها السياسي إسرائيل، من حيث تصوراتهما النظرية وحركتهما الفعلية، على ما هما عليه منذ بداياتهما وحتى اللحظة الراهنة. وإذا صرفنا النظر، جدلاً ومؤقتاً، عما ألحقه قيام إسرائيل منذ عام 1948 بفلسطين وشعبها من نكبة وطنية عز نظيرها في التاريخ، والتفتنا فقط لاستمرار احتلال فلسطين بقوامها المعترف له بأحقية الدولة والاستقلال في حدود العام 1967، لوجدنا دليلاً دامغاً على مجافاة الدولة الصهيونية لكل ما تعنيه مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب من قيم واستحقاقات. ومع ذلك لم تتخل هذه الدولة ولا انصرف رعاتها ومؤيدوها، لا سيما في عالم الغرب، عن المنظور الدعائي القائل إنها تجسد الديمقراطية الوحيدة في محيطها الإقليمي العربي أو الشرق أوسطي.

لم يلحظ هؤلاء ما ينطوي عليه منظورهم من عوار جسيم وتناقض ظاهر، كونه يتجاوز عن السوءات الاستعمارية للمشروع الصهيوني برمته بحق الآخرين في فلسطين والرحاب العربية. ومن الواضح أن نخباً غربية مؤثرة على جانبي الأطلسي، سوغت لإسرائيل وبررت لها ما سبق أن سوغته العواصم الغربية لنفسها. فقد كانت لندن وباريس، مثلاً، تبسطان أياديهما بقوة السلاح على معظم سكان شرقي المعمورة وجنوبها، فيما تزعمان أنهما أمهات الديمقراطية وحقوق الإنسان. ونحسب أن هذا الموروث الفكري الأيديولوجي، مارس دوراً كبيراً في نكران الجوهر العنصري لإسرائيل، والتأكيد على المقولات السخيفة حول وحدانية هذا الجوهر في «الشرق الأوسط». كأننا والحال كذلك، بصدد رسالة الرجل الإسرائيلي، على غرار ما قيل مطولاً عن رسالة الرجل الأبيض.

سياق قانون القومية اليهودية يضرب هذه المزاعم في الصميم، ويعريها إلى أبعد الحدود. ذلك لأنه يسقط الممارسات العنصرية والتمييز المقنن بلا مواربة، على قطاعات من المواطنين الإسرائيليين أنفسهم. ولا نقصد بهذه القناعة فلسطينيي 1948 فقط، وإنما قطاعات من اليهود أيضاً. يقول الكاتب الإسرائيلي تسفي بارئيل إن هذا القانون «سلب صلاحية المحكمة الإسرائيلية العليا في الحكم والتفسير وفقاً لمبادئ الديمقراطية والمساواة، ليس فقط بالنسبة للمواطنين العرب، لكن بالنسبة أيضاً لليهود العلمانيين؛ الذين سيطالبون على سبيل المثال بالسكن في بلدات متدينة ويتم رفضهم. القانون سيفضي إلى نشوء كانتونات ثقافية داخل طوائف الدولة، تعادي بعضها البعض».

بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي من اليهود قالوا عند إقرار القانون إنه يوم أسود للديمقراطية. وكتبت تمار زندنبرغ رئيسة حزب ميرتس «هذا القانون يعني أن الصهيونية ليست حركة قومية أنشأت بيتاً لشعب ملاحق، ولكنها قومية متطرفة وعدائية وتكرس تفوقها العرقي». وسخرت تسيبي ليفني، ربيبة المخابرات ووزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقاً، من القانون قائلة «المطلوب هو الانفصال عن الفلسطينيين، بينما يرغب اليمين في الانفصال عن الديمقراطية. إن كل من يرفع لواء الديمقراطية سيتم اتهامه بالخيانة واعتقاله».

إلى ذلك، ثمة يهود كثيرون يحظون بالمواطنة المتساوية في عوالم الآخرين؛ راحوا يتحسسون رؤوسهم ويتوقعون حجم الأذى والشكوك التي قد تلحق بحقيقة انتماءاتهم، جراء امتداد الولاية الإسرائيلية إليهم، واعتبار إسرائيل هي الممثل الوحيد لقوميتهم.

نود القول إن إسرائيل تعيش اليوم حالة من الانكشاف الفضائحي لجهة افتراقها عن المثل الديمقراطية، داخلياً كما خارجياً؛ إلى الدرك الذي ينتقدها فيه قطاعات واسعة من اليهود والصهاينة. ومع ذلك انبرى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بإصدار صك براءة بحق ديمقراطيتها، حين ذكر قبل أيام بأن «إسرائيل بلد ديمقراطي ومحب للسلام، ويجسد الشكل الذي نرغب في رؤيته مستقبلاً في الشرق الأوسط كله». الرجل يعيد إنتاج بضاعة، أصبح بعض صناعها يعترفون بأنها مغشوشة؛ بل ويتمنى أن تروج هذه البضاعة في ربوع الشرق الأوسط. ولنا أن نتخيل أي حياة سوف تنحدر إليها هذه الربوع لو تحققت آماله.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

تعليقات