نصائح كيسنجر.. هل تصلح لإدارة ترامب؟

لا شك في أن الدول الغربية المتحالفة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك تعد الأكثر تأثرا بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحمائية، إلا أن شمول الصين بتلك القرارات جعلها بالفعل مؤشرا واضحا على اندلاع حرب تجارية عالمية، فقرارات ترامب الأخيرة والمتتالية بشأن فرض رسوم جمركية على كثير من الواردات الأميركية من الدول الأوروبية والصين وكندا لا يمكن بأي شكل من الأشكال فصلها عن مجمل سياساته وقراراته التي صاحبت وصوله إلى البيت الأبيض بعد انتخابات رئاسية هي الأكثر غرابة في التاريخ السياسي الأميركي..

ومن الواضح أن السياسات التي تتبناها الإدارة الأميركية لا تضع في اعتبارها ردود الفعل المتوقعة ولا تعطي أي أهمية لحالات الغضب أو الاستياء التي تسود دول العالم جراء تلك السياسات والقرارات التي تصدر من جانب واحد وبطرق صدامية.

وليس خافيا الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية ضد الأمم المتحدة ومؤسساتها، خاصة تلك التي يرى البيت الأبيض أنها تعمل خارج «بيت الطاعة» الأميركي، مثل الأونروا واليونسكو وأخيرا المجلس الدولي لحقوق الإنسان، أضف إلى ذلك قراراتها الخاصة بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية باريس الخاصة بالتغييرات المناخية.

ثم خروجها على كل قرارات الشرعية الدولية وقواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وتحديدا بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث اعتبر القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وما ترتب على ذلك من خطوات مستفزة تمثلت في نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

ولم تسلم الدول الأوروبية المتحالفة مع واشنطن تحت مظلة حلف الأطلنطي من السياسات الانعزالية للإدارة الأميركية، حيث وجه لها انتقادات حادة فيما يتعلق بأعباء الأمن والدفاع وحدد لها في أكثر من قمة مشتركة ضرورة تحمل الدول الأوروبية نسبة أكبر من نفقات الأمن والدفاع، الأمر الذي خلق حالة مضادة داخل الدول الأوروبية بحتمية البحث عن منظومة جديدة للأمن الأوروبي أكثر اعتمادا على الذات، أبرزها وأهمها مبادرات الرئيس الفرنسي ماكرون بضرورة بناء أوروبا الجديدة بمفاهيم وتوجهات استراتيجية بديلة للواقع الراهن.

ولا شك في أن الإجراءات الحمائية الأخيرة التي فرضتها الإدارة الأميركية هي مسمار جديد -ولا نقول أخير- في العلاقات الأوروبية - الأميركية خاصة، ومع العالم بشكل عام، والخوف الآن أنها تكرس سياسات «شوفينية» خطيرة لواشنطن في التعامل مع دول العالم، وتلك حالة أميركية فريدة من نوعها حتى في ظل الإدارات الأميركية المتعاقبة.

وهناك على سبيل المثال موقف شهير لوزير الخارجية الأميركية الأشهر هنري كيسنجر عندما تزايد العجز التجاري الأميركي مع الصين بشكل ضخم جراء زيادة الصادرات الصينية رخيصة الثمن للولايات المتحدة؛ فقد اعترض على فرض إجراءات حمائية من جانب واشنطن، مؤكدا أن هناك مؤسسات أميركية عديدة تستفيد كذلك من تلك الظاهرة، ما يصب في نهاية المطاف لصالح الاقتصاد الأميركي.

ولم تنفصل تصريحات كيسنجر التي جاءت على وجه التقريب قبل أكثر من عقد من الزمان عن سياق نصائحه للإدارة الأميركية، مع بزوغ نجم الصين والشرق الآسيوي بشكل عام، بضرورة التخلي عن السياسات العقابية الحمائية لتجنب صدام «قوتين عظميين»، ما يسبب أضرارا جسيمة للواقع الدولي.

عاد ترامب إلى واشنطن بعد القمة التاريخية مع الزعيم الكوري الشمالي، ليواجه حالة تذمر واسعة بين جميع الأطراف الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة، فالرسوم التي فرضها على واردات الحديد والألمنيوم ستؤثر على الكثير من الصناعات الأميركية، والأهم من ذلك أنها ستزيد أسعار السلع المرتبطة بها وتقلص قاعدة مؤيدي ترامب في الشارع الأميركي.

وعلاوة على ذلك هناك قناعات عبر ضفتي الأطلنطي بأن الحرب التجارية الشاملة بين أكبر الكتل التجارية العالمية لن تكون ممكنة على المدى الطويل، لأن الجميع سيكونون خاسرين فيها، وستؤدي إلى دمار الاقتصاد العالمي وقد ينتهي الأمر بمراجعة شاملة للقواعد التجارية العالمية.

ويجمع المراقبون على أن الولايات المتحدة ستكون من أكبر المتضررين حتى قبل أن تبدأ عقوبات الدول المضادة، فالرسوم الإضافية التي تفرضها واشنطن على الأوروبيين والكنديين ستلحق أضرارا هائلة بالاقتصاد الأميركي تفوق ما تلحقه بالدول الأخرى.

وعلى ضوء ذلك ربما تجد نصائح هنري كيسنجر -رغم قدمها وتقادمها- طريقها إلى التنفيذ العملي من جانب الإدارة الأميركية التي يبدو أنها أكثر ميلا لتبني سياسات حادة في الكثير من قضايا العالم، سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

 

 كاتب ومحلل سياسي

تعليقات

تعليقات