عرس الزيتون

لا يحضر الزعتر إلا ويتبعه الزيت. لا إفطار شهياً بدونهما. بيت الزعتر الجبل، أغروه بالماء ونقلوه إلى السهل. أما الزيت فأمه الزيتونة. شجرة مباركة، لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.

الزيتونة شجرة عريقة ومباركة، ذكرها الله سبحانه وتعالى، وأقسم بها في القرآن الكريم في سورة التين بقوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، وهي من الأشجار التي تحمل إرثاً تاريخياً عميقاً، ومن أقدم الأشجار التي زرعها الإنسان واستفاد منها. تمتاز بأن كلّ ما فيها مفيد، بدءًا من ثمارها وزيتها وأوراقها وخشبها حتى أنوية ثمارها. لا تهرم مبكرا، خضراء في كل الفصول، تعيش آلاف السنين ولا تحتاج إلى رعاية كباقي الشجر.

إن دعاك فلسطيني على الإفطار فسيكون الزيت مخلوطا بالزعتر على رغيف من خبز الطابون «المناقيش». وإن دعاك على الغداء فالزيت أيضاً مع قطع البصل والسماق على أرغفة غارقة حتى آذانها بالزيت «المسخن» وهي الأكلة الفلسطينية الأشهر.

بالإضافة إلى فوائد شجرة الزيتون الغذائية، فإن أوراقها أيضاً تساهم في علاج الكثير من الأمراض المستعصية، كما إن منظر الشجرة يجمّل المكان والطبيعة، ويُضفي عليها سحراً إضافياً، خصوصاً أنها شجرة دائمة الخضرة، كما أن ظلالها تنتشر في المكان الذي تكون فيه، وتلطف الأجواء وتجمل المكان الذي توجد فيه، وهي من الأشجار التي تستطيع التلاؤم والتكيف مع مناطق وأجواء عديدة، كما يوجد منها أنواع كثيرة، فبعض أشجار الزيتون لها ثمار خضراء وبعضها ثمارها سوداء، وتتنوع ثمارها في طعمها وكمية الزيت الموجودة فيها.

الشهر الحالي، أكتوبر، شهر القطاف. عرس كنعاني مستمر، أهزوجة فرح وبهجة، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، تتمسك بها ولا تحيد عنها مهما كانت التغيرات والظروف، بسمة تغمر العقول والنفوس، وتسكن القلوب حيث تجسد هوية ضاربة في أعماق التاريخ لآلاف السنين، وأصالة ما زالت تؤجج غيظ الاحتلال، وتفجر حقده الأعمى، تماماً كما أثارت غضب المستعمر البريطاني من قبل، إنه موسم قطاف الزيتون في فلسطين الذي بدأ موسمه منذ أسابيع قليلة.

للشعب الفلسطيني مواسم زراعية عديدة على مدار السنة كموسم البرتقال والليمون والقمح، وكل منها يعد عرساً حقيقياً عامراً بالفرح والبهجة، لما فيه من المظاهر الفولكلورية والتراثية المتوارثة منذ القدم.

عرس حقيقي، وتظاهرة بهجة تشارك فيها كل الأسرة، ففي هذا الموسم تخلو القرى بكل منازلها وبيوتها من أصحابها تماماً، حيث بساتين الزيتون، بينما ينصرف الأولاد والبنات إلى مدارسهم، ليتوجهوا بعد انتهاء الدوام المدرسي كل يوم من المدرسة، إلى حيث بقية الأسرة للمساعدة في عملية القطاف، وجمع المحصول ليعود الجميع إلى بيوتهم بعد غروب الشمس.

يشارك الجميع في عملية الجني والقطف، فالرجال والأولاد عادة يتسلقون الأشجار أو السلم الخشبي بينما تعمل النساء والفتيات على التقاط ما يسقط من الثمار على الأرض، وجمعه في السلال والأوعية، وللتغلب على التعب والإجهاد والساعات الطويلة من العمل المتواصل يتسلى الرجال بالغناء، وترديد الأغاني والأهازيج الوطنية والشعبية الفولكلورية المتوارثة عبر الأجيال مثل العتابا، والميجانا، وعلى دلعونا وعالرزونة، وأبو الزلف، وغيرها. كذلك تردد النساء والفتيات الأغاني الخاصة بهن، إذا كن بعيدات على مسافة من الرجال، ومتأخرات عنهم في العمل نظراً للحياء والخجل، الذي يزين المرأة والفتاة.

شجرة الزيتون ابنة تلك الأرض المباركة تعاني ما يعانيه أبناؤها من ظلم وتدمير وأسر واغتيال من قبل الاحتلال الذي أعماه الحقد وجعله يدمر كل شيء. فها هو المحتل يأتي ليأسر شجرة الزيتون ويقودها معه ليزرعها في الأرض التي احتلها سابقاً فيكون بذلك قد جمع بين الأم والابنة في الأسر وذلك بناء على فتوى أصدرها الحاخام الصهيوني الأكبر عوفاديا يوسيف تحض على سرقة محصول الزيتون الفلسطيني، واعتبر ذلك جانبا من تطبيق العقيدة اليهودية. وجاء في فتواه: «لولانا نحن (اليهود) لما نزل المطر، ولولانا لما نبت الزرع، ولا يعقل أن يأتينا المطر، ويأخذ الأشرار (الفلسطينيون) ثمار الزيتون ويصنعون منه الزيت»!!

لكن كما لم يستطع المحتل أن يشرد الفلسطيني من بيته فإنه لم يستطع أن يجتث الزيتون من أرضه. إنها مسألة المتجذر والطارئ. هناك من هم أكبر عمراً من إسرائيلهم، والزيتون الفلسطيني أقدم من أجداد أجدادهم.

 كاتب أردني

تعليقات

تعليقات