«غسل الأخبار»

«الخبر مقدّس والرأي حرّ» مقولة تنسب إلى ملك المغرب الراحل محمد الخامس، وآخرون ينسبونها إلى مصادر أخرى، وبغض النظر عن قائلها، لكنها باتت أقرب إلى القاعدة عند ممتهني الإعلام، لأنها تحض على التدقيق قبل النشر، ويعي العاملون في مجال الإعلام أن للخبر مقومات ينبغي توفرها وجوباً حتى يرقى إلى مرتبة الخبر اليقين الذي يصلح للنشر.

ويتفاوت الالتزام بتلك المعايير من مؤسسة إعلامية لأخرى، وبنسبة ذلكم التفاوت تكون نسبة الموثوقية والمصداقية للمؤسسة المعنية، وبما أن المؤسسات الإعلامية المسيطر عليها من جانب تنظيم «الإخوان» جانبت تلك المعايير المهنية، وباتت بعد انحيازها الواضح للتنظيم، الذي نخرت سياسته التخريبية في جسد الأمة عميقاً، ذات «مصداقية صفر».

لجأ التنظيم صاحب العلاقات المتشابكة والملتبسة مع الغرب، إلى أسلوب جديد في العمل الصحافي يستحق الوقوف عنده طويلاً من قبل المؤسسات البحثية والعلمية ذات الاهتمام، وهو «إعادة تأهيل مصادر الأخبار» أو بتوصيف أدق عملية «غسل الأخبار».

معلوم بالضرورة، مثلما هناك أموال قذرة فهناك أخبار قذرة، والمشترك بينهما سوء المصدر الذي أنتجهما. ومنذ عقود عرف الناس العملية المعقدة التي تتم لإعادة تأهيل «أموال الجريمة» لتدخل دورة «الاقتصاد النظيف»، ويتابع الناس منذ فترة عملية جديدة لإعادة تأهيل الأخبار القذرة، برزت بشكل جلي خلال حادثة اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا، عبر «عملية غامضة» وهو التوصيف الطبيعي الذي تتبعه وسائل الإعلام ذات المصداقية والمراعية لقواعد نشر الأخبار، انتظاراً لنتائج التحقيق التي تصدرها الجهات المختصة في مثل هكذا حالات.

ولكن ما إن برزت القضية حتى رأينا سيلاً من المعلومات مجهولة المصدر يتدفق، وتتناقله وسائط «الإخوان» المختلفة دون تروّ أو تدقيق، متهماً المملكة العربية السعودية بتدبير الحادثة، بل وقامت تلك الوسائط بوصف دقيق لكيفية تنفيذها وأسماء المشاركين فيها، وكيفية وصولهم إلى تركيا والمدى الزمني الذي قضوه هناك، ولعلم تلك الوسائط أنها تفتقر إلى المصداقية عند المتلقي، لجأت إلى عملية «غسل المصادر الضعيفة» لتصبح أكثر قوة وأقرب للتصديق، مستخدمة في هذا علائق التنظيم ودهاليزه المظلمة في الغرب، بأن سربت تلك المعلومات إلى منصات وسائل إعلامية يفترض أنها ذات مصداقية وموثوقية عالية عطفاً على تاريخها الطويل في الالتزام بالقواعد الصارمة لنشر الأخبار، لتأتي قنواتهم وترددها منسوبة لتلك الوسيلة أو هذه.

وبعد تكشّف الحقائق وجدت تلك الوسائل الإعلامية المهتمة بمصداقيتها التي بنتها عبر عمل دؤوب ومضنٍ امتد لعقود من الزمان، نفسها في حرج بالغ، وأنها وقعت، بـوعيها أو من دونه، في عملية قذرة التف فيها التنظيم الأخطبوطي عليها، ودفعها إلى تبني معلومات مغلوطة، فقدم البعض منها اعتذاراً مؤلماً بالنسبة لها وللعاملين فيها، بوصف ما أقدمت عليه أنه «سقطة مهنية»، وإنها لعبارة كبيرة يعلم وقعها أفراد القبيلة الصحافية، وبعضها تجاهل سقطاته التي بالضرورة سجلت كنقاط سوداء في تاريخها المهني.
 

تعليقات

تعليقات