الأمن الناعم.. الإمارات نموذج

تهتم كل الدول بمسألة الأمن قبل أي شيء آخر. والسبب يعود إلى أن النظام الدولي يعتريه نوع من الفوضى بسبب غياب سلطة مركزية تنظم العلاقات الدولية. فعلى عكس الدول التي تتمتع بحكومات، ضعفت أو قوت، فإن العلاقات الدولية قائمة على شبكة من الارتباطات الحكومية وغير الحكومية، لمواجهة الإرهاب العابر للقارات أو منظمات الجريمة المنظمة أو الشركات العابرة للحدود.

وبسبب انعدام سلطة مركزية دولية، فإن على الدول أن تهتم بأمنها بنفسها. فالأفراد في داخل الدول لا يولون أمنهم الشخصي كثيراً من الاهتمام لأن هناك من يقوم بذلك عنهم. فالواجب الأول لأي دولة هي أمن وسلامة رعاياها وأراضيها ومياهها وثرواتها. ولهذا فإن تعريف الدولة حسب المفهوم الفييري هو الاستحواذ لوسائل العنف الشرعية. وتعتبر درجة الاستحواذ لهذه الوسائل مؤشراً على قوة الدولة.

ولا شك أن الدول محقة في صب اهتمامها في موضوع أمنها الداخلي والخارجي. ولكن هناك إغفال لجانب مهم من الأمن والذي يسمى بالأمن الناعم. فالأمن الناعم لا يتعلق بمواجهة أعمال العنف من التنظيمات الإرهابية أو اعتداءات من قبل دولة أخرى. بل يتعلق برعاية واهتمام الحكومات بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع والأفراد.

ويهتم الأمن الناعم بحاجات الإنسان الأساسية من مأكل ومشرب وسكن وخدمات اجتماعية وصحية. ويسهم الأمن الناعم في تعزيز الاستقرار في المجتمعات الحديثة والحضرية، والتي تنعدم فيه كثير من الخصائص التي تمتعت به المجتمعات التقليدية من تضامن اجتماعي وتماسك تفتقدها المدن وحواضرها.

ولم يفت دولة الإمارات وحكومتها هذه المسألة الاستراتيجية المهمة. واستمعت إلى محاضرات مهمة هذا الأسبوع تتعلق بالأمن الغذائي في دولة الإمارات من مسؤول إماراتي كبير. فالقضية الأولى هي كيف تؤمن الاحتياجات الغذائية للمواطنين والمقيمين في أرض الوطن.

وكما هو معروف، فإن دولة الإمارات تقع في مناخ صحراوي شحيح في الموارد المائية، وضيق في مساحة الأراضي الزراعية، حيث تصل الأراضي الزراعية إلى 5% فقط. ويعتبر هذا التحدي الأكبر في جعل دولة الإمارات تصل إلى مرحلة الاكتفاء الغذائي. ويعرف الأمن الغذائي من قبل اللجنة العالمية للأمن الغذائي على أنه الوصول إلى الغذاء بشكل كافٍ وآمن ومغذٍ.

ورغم حداثة الدولة ورغم هذه التحديات المناخية الجمّة، إلا أن الدولة استطاعت أن تصل إلى تصنيف عالٍ في الأمن الغذائي، وهو الثالث والثلاثون، متقدمة حتى على دول زراعية مثل مصر والسودان وتونس وجنوب أفريقيا والهند، حسب ما جاء في نشرة الأمن الغذائي العالمي لسبتمبر 2017.

ولأهمية هذا الموضوع لمستقبل الدولة، عيّنت الحكومة في العام المنصرم وزيرة مسؤولة عن ملف الأمن الغذائي لوضع الاستراتيجيات والخطط المستقبلية، لوضع البلاد نحو طريق الاستدامة والاكتفاء الذاتي وبالتالي الأمن الغذائي.

ولعل تجربة سنغافورة في مجال الأمن الغذائي لخير دليل على إمكانية دول صغيرة الحجم تواجه تحديات بيئية، وصغر حجم الأراضي القابلة للزراعة من تحقيق أمنها الغذائي. وقد استطاعت سنغافورة من تحقيق رقم متقدم في صفوف الدول، التي تعتبر آمنة في مصدر غذائها. وتأتي سنغافورة في المرتبة الرابعة بعد إيرلندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تصنيف الأمن الغذائي.

ورغم ما تواجه دولة الإمارات من تحديات بيئية، إلا أن هناك مرتكزات قوية تستطيع أن تنقل الإمارات إلى خطوات كبيرة في المستقبل. فكما جاء في تقرير حول تطوير الأمن الغذائي في الإمارات فإن الدولة تتمتع باقتصاد قوي مع توفر السيولة المالية. كما أنها تتمتع ببنية تحتية متقدمة للنقل، وتعتبر مركزاً رئيساً لإعادة التصدير. كما يتوفر لها عمالة مهرة. ودولة الإمارات تتميز بالاستقرار السياسي والعلاقات الدبلوماسية النشطة مع دول العالم. كل هذه العوامل تتضافر لجعل الدولة تحقق وضعاً متميزاً في مسألة الأمن الغذائي.

وتسعى الدولة مع شركاء محليين ودوليين إلى تعزير البحث والتطوير؛ فعلى سبيل المثال هناك مزارع سمكية في الدولة لتحقيق اكتفاء من جميع أنواع الأسماك والربيان؛ حتى من الأسماك التي لا تنتمي للبيئة الخليجية كالسالمون. كما أن هناك تجارب لاستخدام المياه المالحة مع تخفيفها واستخدامها للري الزراعي.

هناك أيضاً خطط لاستخدام الزراعة العمودية كبديل للزراعة الأفقية، بسبب صغر الأراضي الصالحة للزراعة. والنماذج لمثل هذه المزارع في سنغافورة قد كللت بالنجاح. إضافة إلى ذلك فإن هناك محاولات لتشجيع الزراعة المنزلية حتى تستطيع العائلات المواطنة والمقيمة تحقيق شيء من المحصول من الخضراوات وبعض الفواكه، والإسهام في توفر الغذاء في الدولة.

هذا غيض من فيض مما تحاول الحكومة الرشيدة تحقيقه للوصول إلى الأمن الغذائي، وعدم الاعتماد على الخارج فحسب. وقد قال الزعيم الخالد الشيخ زايد (طيب الله ثراه)، «أعطوني زراعة أضمن لكم حضارة».

* كاتب وأكاديمي

تعليقات

تعليقات