سياسة خارجية على صفيح ساخن

قبل نحو أربعة عقود؛ حين كانت السياسة الأوروبية الخارجية الموحدة غضة وطرية العود، ذهب البعض إلى أن مستقبل التجربة الاتحادية القارية برمتها مرهون بتعميد هذه السياسة. وداخل هذه القناعة شدد هؤلاء على أن هذا التعميد والرسوخ يرتبط بالدور الذي سوف تمارسه أوروبا الموحدة إزاء أزمات الجوار «الشرق أوسطي» جنوب المتوسط، وفي القلب منها معضلة الصراع الإسرائيلي العربي والقضية الفلسطينية.

للإنصاف، ثارت آمال عريضة بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي ونهاية تسعينياته، باقتراب أوروبا من تحقيق هذا الهدف. حدث ذلك بفعل تراجع ضغوط القطبين الأميركي والسوفييتي السابق على القارة؛ وتوسع العضوية بانخراط دول شرق القارة في التجربة إثر انفراط عقد الدولة السوفييتية؛ واختفاء نذر الحربين الساخنة والباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وكان الحافز الأهم على التفاؤل هو الأدوار المتميزة التي راحت تقوم بها بروكسل عاصمة الاتحاد، وعواصم أخرى مثل أوسلو وكوبنهاغن واستكهولم، في جهود السلام بين فرقاء الصراع الإسرائيليين والفلسطينيين، مع ملاحظة أن هذا المعلم ما كان له أن يبرز، من دون هوامش سماح من الولايات المتحدة، كبيرة عالم الغرب، بعد انفرادها بقمة النظام الدولي.

المفارقة هنا، أن أجواء التفاؤل باستطالة الأنف الأوروبي في الشؤون الدولية، وبخاصة في تطورات القضية الفلسطينية، أم المشكلات الشرق أوسطية، أحبطت سريعاً بتواكب أكثر من متغير سلبي. مثل تصدع الحوار العربي الأوروبي واستبداله بـ «حوارات» أوروبية مع كتل عربية إقليمية فرعية، وبأعمال للجان المشتركة بين الأوروبيين مجتمعين وبين عواصم عربية منفردة. والانعكاسات السلبية لتوسع التجربة الاتحادية الأوروبية شرقاً، وما تلاها من انشغال بهموم الاجتماع السياسي الاقتصادي والثقافي، المغاير نسبياً قياساً بأحوال الدول المؤسسة. وتصاعد حدة الرفض الإسرائيلي للمداخلة الأوروبية في شؤون التسوية مع الفلسطينيين والعرب، مقارنة بالثناء على وحدانية الرعاية التي يوفرها الحليف الأميركي.

إلى ذلك، جاء تأثر الأوروبيين بتداعيات الهجرة واللجوء من عالم الجنوب، والخوف على الهوية الثقافية والسياسية والتميز الاقتصادي، ليلقي ظلالاً كئيبة على قدرة حركتهم السياسية الخارجية. ذلك برفع أسهم القوى الشوفينية ذات الخصومة الظاهرة والمضمرة للعرب والمسلمين، مما أدى إلى فرملة سياسات العاطفين على تسوية معقولة حقوقياً لقضية فلسطين. أما قاصمة الظهر للنفوذ الأوروبي العالمي، والشرق أوسطي بالتبعية والتداعي، فقد طرأت خلال العامين الأخيرين عبر متغيرين جاءا تقريباً متزامنين: انسحاب بريطانيا كلياً من التجربة الاتحادية؛ وصعود إدارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن.

هذه الأجواء أكرهت الأوروبيين على الانزواء دولياً، حتى أن صوت بروكسل والمفوضة الأوروبية فيديريكا موجيريني أمسي شاحباً خفيضاً تجاه معظم الملفات الدولية الساخنة. ولا يصعب تلمس هذا الوهن فيما يتعلق بعملية التسوية الفلسطينية. حسبنا دليلاً على ذلك الإشارة إلى أن الأوروبيين عادة ما كانوا ينشطون شرق أوسطياً، في أوقات تأزم حركة الراعي الأميركي أو انشغاله بهموم أخرى. فأين هم الآن وقد انقطعت هذه الرعاية وآبت إلى السكون، وتكللت بالقطيعة الظاهرة مع الطرف الفلسطيني؟!

يقال إن التجربة الأوروبية تعيش اليوم محنة كبرى، إلى الدرك الذي أجاز البعض لنفسه وصفها بالترنح والمرور في نفق ضبابي. ويؤشر إلى هذا الوضع البائس بنظر المتابعين، كثرة المشاحنات والمناكفات حول كيفية معالجة ظاهرة الهجرة واللجوء المكثفة، والاختلاف المعلن بين رؤي الدول الأعضاء، بشأن انعكاسات الظاهرة على اجتماعها السياسي والثقافي والاقتصادي بالمعنى القومي الضيق. الأمر الذي ترتب عليه إحياء النزعات الشعوبية في البيئة القارية.

ربما كان هذا التوصيف؛ ولكنه لا يخلو من المبالغة والإفراط في الأبعاد الدعائية المقيتة. فالاتجاه الوحدوي ما زال يحظى بمؤيدين كثر داخل القارة، ولاسيما في فرنسا وألمانيا، وهما القاطرتان الرئيستان للتجربة لنحو ستين عاماً. كما أن الندم المتزايد لدى قطاعات شعبية تتسع باطراد في بريطانيا، على التصويت بالانسحاب، واستشعار الخسائر الاقتصادية والسياسية المتأتية عنه، وصعوبة الانفكاك الآمن من الاتحاد من دون هذه الخسائر، مؤشر ينبغي ملاحقته وتشجيعه في الرحاب العربية عن كثب. لاسيما أن هذه الرحاب بحاجة ملحة للاعتدال الأوروبي النسبي ومقارباته تجاه الملفات «الشرق أوسطية»، مقارنة بالتعنت والاستعلاء والانحياز الأميركي لإسرائيل.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

تعليقات