مأساة وملهاة السياسة الأميركية

هناك قول مشهور لكارل ماركس إن التاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة ومرة كملهاة. وكان قوله يشير إلى انقلاب نابليون الثالث على الحكم في فرنسا واستحواذه على سلطات مطلقة في 1851. ويقصد ماركس أن حكم نابليون الأول كان مأساة وحكم ابن أخيه نابليون الثالث كان ملهاة.

ومنذ أن انتخب الرئيس دونالد ترامب في 2016 والولايات المتحدة تشهد اشتداد حدة الاستقطاب بين الحزبين الرئيسين. ورغم أن الحزب الجمهوري يسيطر على أغلب مفاصل الدولة كالبيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه أو السلطة القضائية العليا، إلا أن إدارة دفة الحكم أصبحت صعبة.

والأمر لا يعود إلى ترامب فحسب، ولكن ظاهرة الاستقطاب في السياسة الأميركية تطورت منذ أمد. ولا يعني أن في السابق سادت روح الإخاء بين الفرقاء السياسيين. فقد كانت هناك روح التنافس شديدة منذ بروز الجمهورية الوليدة.

وقد شهدت الولايات المتحدة في تاريخها، القصير زمناً والطويل حدثاً، كثيراً من الصراعات على ماهية الجمهورية الأميركية وتوجه المجتمع والدولة فيها. وفقد رؤساء أميركا أرواحهم ومناصبهم بسبب هذه الصراعات. بل إن المجتمع الأميركي انقسم على نفسه ذات مرة ودخل في حرب أهلية ضروس ذهب ضحيتها ما يربو على ستمائة ألف شخص وكادت أن تودي بالجمهورية بعد سبعة عقود ونيف من ولادتها العسيرة.

وقد سبق الحرب عقد من الزمن (1850-1860) شابت فيها أزمات سياسية طاحنة. وتشير أحد المصادر أن أساس المشكلة حينها يتعلق بكون أن الولايات المتحدة وطن وليس أمة. وبسبب وعورة المواصلات وسعة الرقعة الجغرافية، لم يكن هناك تأثير كبير للحكومة الفيدرالية. وعندما بدأت في التوسع كانت هناك مقاومة من القوى المحلية والتي استحوذت على مساحة سياسية كبيرة.

وأصبحت الولايات المتحدة بعد حربها الأهلية في انقسام حاد بين الجنوب والذي خسر الحرب والشمال الذي كسبها. ولكن أضحت بلداً متيناً واتسعت رقعة الدولة وأصبح اقتصادها قوياً. وبعدها بعقود بدأت بالتوسع الخارجي وامتلاك أراضي خارج أميركا القارية.

وبعد أن أصبحت قوة عظمى دولية وانخرطت في حروب خارجية كالحرب العظمى والحرب العالمية الثانية، خرجت الولايات المتحدة كالقوة الأعظم في العالم وفرضت هيمنتها على العلاقات الدولية. ورغم استقرار الأوضاع الداخلية للولايات المتحدة إلا أن تمددها الخارجي منذئذ أثر على تماسكها الداخلي عبر السنين.

ولعل حرب فيتنام والتورط في حروب جنوب شرق آسيا ساهمت بشكل كبير في شق الوحدة الوطنية بعدما فقد أكثر من خمسين ألف أميركي لحياتهم في أرض غريبة. وقد تبع هذه الحرب المدمرة فضيحة كبرى أضعفت شرعية المؤسسات الأميركية.

فقد كشف عن تورط الرئيس الأميركي حينها ريتشارد نيكسون في فضحية عرفت بووترجيت نسبة إلى المبنى الذي حصلت فيه جريمة التجسس على الحزب الديمقراطي. وقد أدت الفضيحة إلى استقالة نيكسون وخسر الحزب الجمهوري الانتخابات الرئاسية إضافة إلى مقاعد في الكونغرس وانتخابات حكومات الولايات الأخرى.

وقد تكون بدايات الاستقطاب الحاد في السياسة الداخلية الأميركية تعود إلى هذه الفترات. وليس المقصود انه لم تكن هناك اختلافات أو حتى خلاف على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، ولكن الصراع كان يدار بطريقة مؤسساتية. وكان لانتخاب الرئيس الأميركي رونالد ريغان أثر في تعميق حالة الاستقطاب. وبدأت المؤسسات غير قادرة على استيعاب المستجدات السياسية خاصة بعد ما تلاقى اليمين المحافظ والتيار الديني المتشدد المتمثل فيما يسمى بحركة «الأغلبية الأخلاقية» بقيادة القس جيري فولويل.

وبسبب اضمحلال المؤسسات في الولايات المتحدة فإن معالجة هكذا ظواهر أصبحت عصية على الحل. وفي هذا المضمار، يتحدث المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما عن أن المؤسسات الأميركية تعاني من اضمحلال أدى إلى عدم صلاحيتها للقيام بوظائفها المنوطة بها. ويضيف فوكوياما إلى أن السبب يعود إلى «الجمود الفكري وتصاعد قوة الفاعلين السياسيين المترسخين والذين يمنعون الإصلاح وإعادة التوازن».

وما نراه الآن من تصدعات في النظام السياسي الأميركي يذاع على مرأى ومسمع الملايين من البشر ما هو إلا تراكمات خلفتها السنون السابقة وصعوبة تغيير المسار بسبب تضافر قوى سياسية ومجموعات الضغط السياسي لتحقيق مآربهم.

وإذا كانت هذه المآسي التي اتسم بها النظام السياسي، فإن الظاهرة الشعبوية والتي طفحت على سطح النظام في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بسبب الانسدادات العميقة في مجريات المؤسسات الأميركية هي الملهاة بحق وحقيقة. وقد وعد الرئيس دونالد ترامب بإفراغ المستنقع في واشنطن من المصالحة الضيقة الأسنة. وهنا أيضا يتجلى الملهاة في النظام السياسي، بل والثقافة السياسية الأميركية، بأن ترامب والذي تلاحقه كثير من المشكلات سببها آفات النظام نفسه يتمثل في المنقذ لهذه الجمهورية التي بدأت تهوم في التيه، وقد تكون بوادر الشيخوخة لهذا النظام.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات