القيادة صفات أم أفعال أم مواقف؟

انشغل الناس في القرن الماضي، وما زالوا، بماهية صفات القيادي، التي تصنع ممن يقودنا إلى بر الأمان والطموحات شخصاً يشار إليه بالبنان. تزايد الاهتمام بعدما حطت الحروب العالمية الطاحنة أوزارها. حينها توالت الدراسات تلو الأخرى لفهم من هو ذلك الشخص الذي يمكن مثلاً أن يحرض قارة بأسرها ضد أخرى وهو جالس على كرسيه الوثير! النازي هتلر أحدهم.

ففاجأ المهتمين العالم ستوغدل الذي جمع ما كتب عن القياديين منذ عام 1904 حتى 1974 في بحثين منفصلين، خلاصة الأول أن القيادي يتمتع بصفات أبرزها الذكاء والبصيرة والإصرار والثقة بالنفس. وأكدت المحاولة الثانية ما جاء في الأولى بشيء من التوسع للصفات وألمحت إلى عنصر الموقف. ومنذ ذلك الحين ومحاولات الاعلام في هذا الميدان تأتي بصفة جديدة وتزيح أخرى. فلم يزد ذلك المهتمين إلا حيرة. غير أن كل تلك الجهود كانت في غاية الأهمية، بل تعد نقلة جذرية في فهم القادة. ذلك أن البشرية منذ فجر التاريخ صار أمامها ولأول مرة صفات محددة علمية يمكن أن يتدرب عليها القائد غير أن ما زاد التباس الناس كيف يمكن أن نعلم المرء النزاهة أو المصداقية أو الذكاء حينما يفتقدها من نتوسم فيه صفات القائد.

ودخل عنصر جديد، أو بالأحرى مفقود ألمح إليه ستوغدل. وهو لماذا يتصرف من يتحلى بصفات القيادة البارزة في موقف ما بصورة تتناقض كلية مع ما صنعه البارحة على رؤوس الأشهاد. فتبين عبر نظريات عدة أشبعت بحثاً، أن عنصر الموقف أيضاً يتدخل في رسم المشهد أو تصرف القائد. فمثلاً حينما تتعرض شركة لسرقة أو اختلاسات أو حفلة تسيب اكتشفها من يقودهم قد ينقلب ذلك الوديع أو «محبوب الجماهير» إلى شخص في غاية الشدة والحزم. فينقلب رأساً على عقب في سبيل ضمان حسن قيادة دفة السفينة إلى بر الأمان.

وهذا كله يفسر لنا مسألة مهمة. وهي أن تفسير الظواهر الاجتماعية لا ينظر إليها من زاوية واحدة، بل تفسر من خلال أبعاد متعددة. فمن الظلم أن نضع على طاولة مقابلات تعيين القياديين قائمة من المهام لنختبر فيها المرشحين للوظيفة أو الصف الثاني الذي نرجو أن يحملوا الراية بعد الصف الأول. كما أن من الناس من يظهر معدنه في قلب الحدث مثل مشرط الجراح في حالات الطوارئ لا يجرؤ على حمله سوى الطبيب الماهر. وحتى القياديون أنفسهم لم يكتشفوا كثيراً من مواهبهم إلا حينما وضعوا في موقع المسؤولية. ولذا كان هناك ما يسمى في الإدارة «قيادي بالوكالة» توكل إليه تدريجياً مهام كبيرة في غياب القائد الأساسي أو بغية تأهيله تدريجياً. والحل الآخر هو التدوير الإداري للقياديين، نلجأ إليه عندما نكتشف أن من كنّا نتأمل فيه الخير قد خذلنا.

هناك أشخاص لا يتفق اثنان على أنهم لا يتحملون أعباء القيادة أو حمل الأمانة. وقد سمعت بأذني مراراً من يقول حرفياً لا أرغب أن أكون مسؤولاً عن أي شيء كبير. واضح أنه إن لم يكن ضعفاً فهو ربما هروب من المسؤولية. فكل إنسان يتقدم به العمر لا بد أن يعرض عليه دور قيادي. حتى عامل النظافة سيصبح يوماً رئيس «الفراشين» يؤثر ويأمر وينهى ويعاقب.

خلاصة القول، إن القيادي بشر فليس من الإنصاف أن نحصره في صفات محددة، إذا لم يتحل ببعضها نعاقبه بالحرمان من تبوء منصب قيادي كان يمكن أن يكمل نقصه آخرون يوكل إليهم مهام يجيدونها. وحينما نتسرع بحرمان قيادي واحد لأنه لم ينجح في «اختبار القياديين» الورقي فإننا نحرم في الواقع المؤسسة وربما بلداً بأسره من شخصية قيادية فذة كان يمكن أن يشار إليها بالبنان.

* كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات