دائماً.. للقمر وجه آخر!

البعض يرحل عنا دون أن يغادرنا. يبقى حياً فينا كما لو أنه ذاك الذي يشرب معنا قهوتنا الصباحية، ننتظره في موعده المعتاد ونشعر بالفقدان حين لا يأتي.

ولا نصدق أنه بعد اليوم لن يأتي. هؤلاء مكانهم في القلب. يتركون نقشاً لا يزول في الروح. البعض يرحل ويغادر مع ثالث أيام العزاء الذي يتحول إلى الثرثرة حول كل شيء، كل شيء ما عدا الميت.

غير أن المشاهير، أو بعضهم، كالقمر. يطغى الجانب المضيء منهم على جانب مظلم لا يعرفه إلا الأقربون. وهم الذين يعانون ويحتملون ويصبرون.

في الرابع من سبتمبر، وقبل أيام قليلة من مؤتمر «أبل» السنـوي الذي يقام في مثل هذا الشهر من كل عام صدر كتاب جديد بعنـوان «السمكة الصغيرة»

(Small Fry) يتحدث عن الجوانب الشخصية لحياة ستيف جوبز مؤسس الشركة، ربما هو الكتاب الأكثر مصداقيـة وإثارة للجدل من بين كل الكتب التي صدرت بخصوص أسطورة التكنولوجيا الحديثة.

الكاتبة هي ابنة ستيف جوبز شخصياً، ليزا برينان جوبـز التي قررت أخيراً أن تكشف النقاب عن الجوانب الشخصية المثيرة للجدل في حيـاة أبيها العبقـري، من خلال مواقف شخصيـة عايشتها معه كابنته الوحيـدة عن قُرب.

قبل أيام من صدور الكتاب، قامت صحيفة نيويورك تايمز بتغطيـة أهم التفاصيل التي جاءت فيه حصـرياً، ووصفت ما جاء فيه أنه يحمل تفاصيل مدمرّة غير متوقعة لجوانب شديدة الظلمة من شخصية جوبز على المستوى العائلي تحديداً، ترويها ابنتـه ليزا بشكـل مباشـر.

تكشف ليزا أنه على مدار خمس سنوات من مولدها كان ستيف جوبز يرفض رفضاً قاطعاً الاعتراف أنها ابنته، وأخبر زوجته «برينان» أن ليزا ليست ابنته، وأنه ليس مسؤولاً عن نفقاتها على الإطلاق. لاحقاً قامت برينان بإجراء اختبار للحمض النووي أثبت أن ليزا ابنته، وأنه مُطالب بدفع نفقة شهـرية متواضعة لها قيمتها 500 دولار.

بمعنى آخر، من اللحظة الأولى التي جاءت ليزا للحيـاة، واجهت رفض أبيها الاعتراف بها ابنة له، فضلاً عن المعاملة السيئة وغير المبررة التي كان يعاملها بها لفتـرة طويلة أثناء طفولتها، وهي ما قررت أن تتحدث عنه في كتابها.

من ضمن المواقف التي تذكـرها ليزا أنه بقدوم العام 1983، وعندما كانت ابنة خمس سنوات، أطلقت شركة «أبل» جهازها الأول من نسخة «ليزا» (LISA) التي ظنّت أن والدها أسماها هذا الاسم تيمّناً باسم ابنته، لكنها فوجئت بأبيها يخبــرها بمنتهى الوضوح والمباشرة أن الجهـاز لم يطلقه على اسمها إطلاقاً.

وإنما هو اختصـار للحروف الأولى «Locally Integrated Software Architecture»، وأنه لا علاقة للجهاز باسم ابنته.

لم تتورّع ليزا في وصف أبيها المليـاردير بأنه شديد البخل، عندما رفض تماماً أن يمنحها سيارته البورش القديـمة على الرغم من أنه لم يكن يحتاجها إطلاقاً، ويقوم باستبدال سيارته فوراً إذا أُصيبت بخدش بسيط. وعندما طلبتها منه، رفض إعطاءها السيارة بجفاء، وقال لها بوضوح إنها لن ترث منه أي شيء، وإنها يجب أن تخرج من ذهنها أنها ستحظى بأي مال منه في حياته أو بعد وفاته.

إلا أنه حين شعر أن نهايته اقتربت، كان ستيف جوبز يعتذر لابنته بشكل صريح، وقال لها إنه آسف على أنه لم يمضِ معها ما يكفي من الوقت، وإنه فوّت لحظـات نموّها وبلوغها وشبابها، وإنه آسف على نسيان أعياد ميلادها، وعدم الرد على مكالماتها ورسائلها.

جوبز ليس الوحيد الذي لم يعترف بفلذة كبده من المشاهير فقد انفصل النجم الأميركي آرنولد شوارزنغر عن زوجته ماريا شرايفر، وذلك بعد أن اعترف لها بتورطه في علاقة غير شرعية مع إحدى العاملات بمنزلهما، والتي أنجب منها طفلاً منذ أعوام عدة قبل ترشيحه لمنصب حاكم كاليفورنيا.

أما المشاهير العرب الذين لم يعترفوا بأبنائهم ثم عادوا واعترفوا بضغط فحص الـ D.N.A فحدث ولا حرج. كُثر الذين يخفون الجانب المعتم منهم. إما بقناع أو حتى بأقنعة عدة وتراهم ينجحون لكنهم يفشلون في التصالح مع أنفسهم. قد يستدركون في الوقت الضائع لكن الحقيقة لا تغطى بغربال النجاح.

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات