الخليجيون بين طهران وواشنطن

يفترض أن الرسالة الخليجية من خلال تغريدات معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية وصلت لمن يهمه الأمر في البيت الأبيض أو طهران، بأن أبناء منطقة الخليج العربي لم يعودوا يتقبلون أن يتم تجاهلهم فيما يخص أي اتفاقات أو ترتيبات تخص المنطقة، ليس فقط لأن الكل يبحث عن مصالحه، وإنما لأن أبناءها هم الطرف الأكثر تضرراً وبالتالي فإن إنجاح أي تفاهم سياسي أميركي - إيراني لا بد أن يتم دعوة الخليجيين إليه.

منذ فترة ومواقع إعلامية مختلفة تتداول تسريبات حول لقاءات من المحتمل أن يعقدها مسؤولون أميركيون وإيرانيون حول الوضع في المنطقة، أو تبث رسائل عن نفي كل طرف وجود رغبة في إجراء حوار بينهما آخرها نفي المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي طلب الرئيس الإيراني حسن روحاني عقد لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة، وكذلك نفي تسريبات حول لقاء تم بين مبعوث الرئيس الأميركي، بريت مكجورك مع قاسم سليماني في بغداد كانت نتيجتها نجاح اختيار رئيس الحكومة العراقية.

مثل هذه التسريبات - بغض النظر عن مدى صحتها أو عدمها- لم تعد غريبة لا في العلاقات الدولية بشكل عام بل هي جزء منه، خاصة في طبيعة السجال بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني منذ نهاية السبعينيات وقد اعتاد عليها الخليجيون والعرب، ففي ظل إدارات أميركية سابقة، كان الطرفان ظاهرياً على خلافات سياسية كبيرة ومعقدة ومع ذلك تكشف لنا الأيام أن هناك تعاوناً بينهما آخرها الاتفاق النووي الذي تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغته بعدما أثبتت الحقائق أن إيران دولة لا يمكن الثقة في نواياها.

بل إن تلك التسريبات لم تعد مقلقة أو أنها تمثل صدمة لدول مجلس التعاون الخليجي بتلك الدرجة التي يتوقعها البعض باعتبارها تحسن النية بالسياسة الأميركية نتيجة لارتباط علاقات مصالح الخليجية مع الولايات المتحدة الأميركية، فهذا الأمر لم يعد موجوداً لدى دول الخليج في مرحلة ما بعد 2015.

أكاد أجزم بأن دول الخليج هذه المرة لن يتم أخذها على حين غرة أو أنها ستتفاجأ بما يمكن أن يحدث في العلاقات الأميركية - الإيرانية إن صحت التسريبات، إذ إن هذه الدول أصبحت لديها رؤيتها الخاصة في التعامل مع إيران الجار المزعج وقد أوضحت لغة التخاطب الإعلامي والسياسي في اليمن والعراق ولبنان بأن الخليجيين يديرون ملفاتهم بأنفسهم وأن تأثر علاقة هذه الدول بطبيعة مسار العلاقة الأميركية - الإيرانية لم يعد كما كان، لأن درس المفاوضات السرية السابقة بين إدارة أوباما وإيران، كان كافياً لاستيعابه من كل نواحي «السياسة الواقعية» سواء في طريقة إعدادها والتحضير لها (السرية والكتمان حتى على الحلفاء التقليديين) أو من ناحية النتائج الإقليمية، الغطرسة الفارسية في المنطقة بالسيطرة على العواصم العربية الأربع.

ما يحسب لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتوقيعها الاتفاقية أنها عملت - بدون قصد- على تحفيز الدول الخليجية للتحرك بشكل منفرد ومستقل مع الخطر الإيراني دون الاعتماد على القوى الدولية المتواجدة في المنطقة بما فيها الولايات المتحدة الأميركية خاصة فيما يخص اليمن بل إنها دفعت بالدول الخليجية إلى التحرك للاستفادة من طموحات الدول المنافسة للولايات المتحدة والصاعدة دولياً لتحقيق التوازن في علاقاتها الاستراتيجية الأمر الذي أسفر عن وجود تفاعل سياسي حقيقي يضع اعتبارات للرأي الخليجي في شأن المنطقة.

لذا فإن طلب معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي بأهمية إشراك الدول الخليجية إنما هو بهدف إنجاحه لأنه لا يمكن أن يتم الاتفاق بعيداً عن أبناء المنطقة ويضمن له النجاح. فتجربة «الاتفاق النووي» التي تم تغييب الرأي الخليجي فيها كانت ملاحظتها أكثر أهمية خاصة في جانب زعزعة إيران للاستقرار.

من واقع طبيعة العلاقة الأميركية - الإيرانية فإن الخليجيين يضعون كل الاحتمالات أو السيناريوهات مفتوحة وواردة الحدوث حتى تلك التي يستبعدها المحللون، ويعتقدون أنها مستحيلة الحدوث لهذا من غير المستبعد حصول حوار أو لقاء بين مسؤولي إيران وأميركا ولكنها بالتأكيد لن تكون مفاجأة لنا!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات