قد ينظر إلى إسقاط الطائرة العسكرية الروسية «إيل -20» بسبب الاستفزاز الإسرائيلي على أنه أكثر الأزمات حساسية بين إسرائيل وروسيا خلال عقد من الزمن.
ووفقاً لوزارة الدفاع الروسية، فقد تم إسقاط طائرة النقل العسكرية ومصرع 15 جندياً روسياً كانوا على متنها من قبل نظام الدفاع الجوي السوري، حين حاولت طائرات F-16 الإسرائيلية استخدامها «كغطاء» لتنفيذ مهمة قصف أهداف في اللاذقية بغرب سوريا بالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط.
وعلى الرغم من أن حادث إسقاط الطائرة يعتبر مسألة حساسة، إلا أن كلاً من روسيا وإسرائيل على استعداد لتقديم تنازلات للحفاظ على متانة العلاقات الثنائية فيما بينهما بصورة إيجابية.
فقد رأينا الرئيس فلاديمير بوتين فجأة يضع لمسة ناعمة على الحادث، ويقلل من أهميته على العلاقات الروسية -الإسرائيلية، حيث أبطل نزاعًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب سقوط الطائرة.
وقلل من شأن الحادث خلال مؤتمر صحافي، فعلى الرغم من أنه قال إنه وافق على تصريح وزارة الدفاع بشأن اتهام إسرائيل بالتسبب في إسقاط الطائرة، إلا أنه امتنع عن لومها. ونفى أن يكون الحادث بأي حال من الأحوال مثل إسقاط طائرة مقاتلة روسية من قبل تركيا في عام 2015، مما أدى إلى انهيار مؤقت في العلاقات الروسية التركية والعقوبات الاقتصادية الروسية ضد تركيا في محادثة هاتفية، ودعا بوتين نتنياهو فقط إلى التمسك بالاتفاقات الروسية الإسرائيلية الموقّعة في عام 2015 ، للحيلولة دون وقوع حوادث تصادم بين قوات الجانبين في سوريا.
عقب اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، كان دور إسرائيل في سوريا مقيداً ومثيراً للجدل. فعلى النقيض من بعض الدول التي دعمت بشكل مباشر إما الحكومة السورية أو الجماعات المعارضة المختلفة، اختارت إسرائيل عدم دعم أي حزب ذي صلة بالحرب الأهلية السورية ونأت بنفسها عن صراعات طويلة الأمد. ولكن من ناحية أخرى، شنت عشرات الغارات الجوية ضد أهداف عسكرية داخل سوريا منذ ذلك الحين، بعد أن أصبحت المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، تعتقد أن سوريا قد أصبحت بالفعل جبهة مواجهة مهمة ومعقلاً لإيران وجماعات مسلحة أخرى تدعمها طهران.
لذلك، تحتاج إسرائيل إلى الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع موسكو. وهي قلقة من أن هذا الحادث سيشل أنشطة جيشها، ويمكّن إيران من نقل الأسلحة إلى حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى.
وعزز تردد الولايات المتحدة في المشاركة المباشرة في الحرب الأهلية السورية، ونفوذ طهران المتنامي في سوريا حاجة إسرائيل إلى إقامة علاقة أوثق مع روسيا. وبالنسبة لها، فإن موسكو هي الشريك الموثوق الوحيد الذي يمكن أن يدعمها في العديد من المحافل الدولية المهمة.
أما روسيا، فتعتبر إسرائيل شريكاً مهماً لها على الساحة الدولية، لأسباب عدة:
فقد أصبح أكثر من مليون يهودي روسي هاجروا إلى إسرائيل جسراً مهماً بين الروس والإسرائيليين. ولا تزال اللغة الروسية لغة يومية شعبية لدى العديد من هؤلاء اليهود.
وتعتبر روسيا إسرائيل شريكاً مهماً لها حول القضية السورية، وأنه يمكن تحويل دورها المحدود في سوريا بسهولة إلى تأثير مهم في ساحة المعركة السورية. ففي الثمانينات، تدخلت إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية من خلال احتلالها المباشر لجنوب لبنان ودعمها لبعض الجماعات الطائفية ضد أخرى. وتنظر روسيا بعين الاعتبار لمخاوف إسرائيل ونفوذها في سوريا عند بدء إعادة البناء السياسي بعد الحرب في سوريا.
وتعتبر موسكو إسرائيل بوابة مهمة لرأب الصدع مع الولايات المتحدة. فتحالف تل أبيب التقليدي «غير القابل للكسر» مع الولايات المتحدة وصداقة نتنياهو الشخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجعلها شريكاً لا غنى عنه لموسكو، إذا أرادت تخفيف حدة التوتر مع واشنطن.
وعلى الرغم من أن تحطم الطائرة العسكرية الروسية مسألة حساسة لكل من إسرائيل وروسيا، فإن كلاً من موسكو وتل أبيب تحتاجان إلى بعضهما بعضاً بشأن القضية السورية والمسائل الدولية والإقليمية الأخرى.
وقطعاً لن يتم قطع قناة الاتصالات العسكرية، التي تم الحفاظ عليها لسنوات منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، ولن يتم تهديد العلاقات الثنائية بين إسرائيل وروسيا.