فلسطين وأحابيل المال السياسي

في أواخر يناير الماضي حذر رجال استخبارات وضباط إسرائيليون كبار، من تداعيات خفض المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية ووكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم الأممية (أونروا)، على التنسيق مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، رفعت تقييمات للقيادة السياسية الإسرائيلية، تؤكد أن أي تقليصات في الدعم المالي الأميركي للأونروا، ستؤدي إلى تدهور مستوى الفقر لدى الفلسطينيين، مما قد يؤدي إلى اندلاع أعمال العنف.

المفترض أن الإدارة الأميركية قد أخذت علماً بهذه التنبيهات؛ لكنها لم تلتفت إليها، ومضت بلا تردد في طريق تصعيد الضغوط المالية والاقتصادية على الفلسطينيين.

ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى أعلن البيت الأبيض وقف المساعدات متعددة الأسماء والعناوين لكل من القطاعات الرسمية والشعبية الفلسطينية، ولم يستثن وكالة أونروا من هذا الإجراء رغم طبيعتها الدولية.

ومن المدهش أن البيت الأبيض حاول تغطية موقفه المتنمر هذا بغلالات قانونية، تم ابتداعها من لدنه.

ذلك بأن أسند خطواته الانتقامية الاستقوائية إلى ما يسمى بقانون «تايلور فورس» المتخذ في يونيو 2018؛ الذي يقضي بمنع التحويلات المالية للفلسطينيين، طالما استمرت السلطة الفلسطينية في تخصيص أموال لعائلات المقاومين؛ الذين تزعم إسرائيل أنهم نفذوا عمليات عنف ضد مواطنيها.

إسرائيل بهذا المعنى هي الخصم والحكم في قضية بالغة الحساسية في المقاربة الأميركية للعلاقة مع الفلسطينيين. وهو أمر لا ينم عن الرشد في توجه الإدارة الأميركية الحالية، ويتجلى هذا الانقياد تماماً لإسرائيل في القطيعة الأميركية مع الأونروا؛ التي تتبع الأمم المتحدة ولا تخضع أصلاً لسلطان الفلسطينيين وتعمل في حقول إغاثية إنسانية بحتة.

ولأن المريب يكاد يقول خذوني، فقد برر المسؤولون الأميركيون استخدام هراواتهم المالية بما يتعارض مع الذريعة التي يدفع بها قانون تايلور فورس. يقول جاريد كوشنر إن الفلسطينيين يستحقون قطع المساعدات «لأنهم يشوهون صورة الإدارة الأميركية»، أما البيت الأبيض فكان أكثر إفصاحاً عن الهدف الحقيقي من وراء المقاطعة المالية. «ندفع مئات الملايين من الدولارات للفلسطينيين ولكنهم لا يريدون التفاوض مع إسرائيل».

المسألة والحال كذلك لا صلة لها بدعم أسر المقاومين والشهداء، وإنما تتعلق بممارسة الابتزاز ولي عنق السياسة الفلسطينية وتطويعها للإرادة الإسرائيلية. وقد تفوق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في صراحته حين قال إن «..أونروا تساهم في تخليد حق العودة الفلسطيني وهدفها تقويض دولتنا، ولهذا يجب أن تزول..».

من المنظور الحقوقي والأخلاقي يمكن، لوم الأميركيين على سلوكهم، ومخالفاتهم للقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ومصير الفلسطينيين، وتخليهم عن المسؤوليات التي التزموا بها سابقاً.

بيد أنه لا ينبغي الإيغال في تبني هذه المقاربة والاعتماد عليها وحدها في مقارعة واشنطن أو تقريعها. فتصور حيادية أو طهرانية الدعم الاقتصادي والمالي بين طرفين دوليين، لاسيما إن كانا غير ندين ولا متكافئين، هو أقرب إلى الدروشة الفكرية والسياسية.

المال والاقتصاد من أبرز أدوات فرض الرؤى وتحقيق الأهداف والمصالح وبسط النفوذ، منذ وجدت العلاقات بين البشر. ولسنا بحاجة هنا للتذكير بأن واشنطن تتعامل اليوم بالمنهجية ذاتها، وتوظف الأدوات ذاتها أيضاً، مع قوى كبيرة تزاحمها على قمة النظام الدولي، كالصين مثلاً. هذا دون الإشارة إلى مناكفاتها مع بعض حلفائها وشركائها في عالم الغرب، وصولاً إلى معايرتهم بأفضالها وأياديها المالية والاقتصادية والعسكرية عليهم.

ليس كثيراً على واشنطن أن تحاول النيل من فلسطين والفلسطينيين وقراراتهم الوطنية، عبر الضغوط التي نسمع ونرى. ومع استمرار اللوم والتنديد وبيان عيوب هذا التوجه الممقوت، يجب السعي جدياً إلى آليات وبدائل، تمكن السياسة الفلسطينية من شد أعصاب خاصرتها المالية والاقتصادية شبه العارية.

ومما يعن للخاطر في هذا المضمار، النظر في تنشيط شبكة الأمان المالية والاقتصادية العربية، والعمل على تمديد وتوسيع هذه الشبكة عالمياً، لتشمل مساهمات الداعمين لاستقلال فلسطين والمعترفين بها دولة تحت الاحتلال. وقبل ذلك وبعده، إعادة الاعتبار لفضيلة الاقتصاد المقاوم بالمعنى الشامل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات