الذكرى الأربعون لاتفاق كامب ديفيد

أحدثت زيارة الرئيس الراحل أنور السادات في العام 1977 إلى القدس هزة دبلوماسية كبيرة في إقليم الشرق الأوسط والتي ترددت أصداؤها إلى جميع أصقاع العالم. وقد أراد الرئيس السادات إحداث زلزلة في المفاهيم الأساسية للإقليم لتحطيم ما أسماه الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل.

والغرض الثاني لهذه الزيارة هو دفع الولايات المتحدة إلى لعب دور رئيس في حل الصراع العربي- الإسرائيلي. وقد أعلن السادات أن 99% من أوراق هذا الصراع بيد أميركا.

وقد وجد السادات فرصة سانحة في انتخاب الرئيس جيمي كارتر والذي أعرب عن عزمه حل هذا الصراع، ولعب دور رئيس في إنهاء المواجهة بين العرب والإسرائيليين، خصوصاً أن لها عواقب سلبية على المصالح الأميركية.

وبالنسبة للحل فإن السادات كان متوقعاً، على أساس قرارات مجلس الأمن 242 و338 والذي يدعو إلى انسحاب كامل من الأراضي التي احتلت في العام 1967. أن الولايات المتحدة والتي صوتت لهذين القرارين ستكون الداعم الأكبر لتطبيق هذين القرارين. كما أن معظم الدول العربية والفلسطينيين سيقبلون بهذا الحل، طالما أنه لا يوجد وسيلة أخرى لاستعادة الأراضي المحتلة، أو تحقيق حق تقرير المصير للفلسطينيين.

ولكن بقية الأطراف كان لها أجندات مختلفة تخدم بطبيعة الحال مصالحها الحيوية من عملية السلام التي أتت كنتيجة لزيارة السادات التاريخية. فبالنسبة للولايات المتحدة فإن الزيارة تحقق تغييراً في المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

فانحياز مصر بثقلها الإقليمي والعربي للولايات المتحدة يعتبر اختراقاً استراتيجياً كبيراً وبداية نهاية النفوذ السوفييتي في المنطقة. كما أن تأمين ظهر إسرائيل من أكبر دولة عربية يعد مكسباً استراتيجياً كبيراً لواشنطن.

وبالنسبة لإسرائيل، فإن التراجع الذي منيت به في حرب أكتوبر 1973، جعل منها ترى في مبادرة السادات فرصة تاريخية لتحييد أكبر قوة عربية حينها في المنطقة. فبسبب حرب 1973 فقدت إسرائيل قوتها في ردع الدول العربية والتي اكتسبتها من تفوقها العسكري الكبير في حرب 1967 واحتلت أراضي ثلاثة بلدان عربية.

وأجزم الإسرائيليون أن مع تحييد مصر في الصراع لن تستطيع أية دولة أو دول عربية من القيام بهجوم مباغت كما حصل في العام 1973. وفعلاً لم تقم حرب نظامية بين أية دولة عربية وإسرائيل منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.

وإضافة إلى ذلك فإن تحييد مصر في الصراع سيمنح إسرائيل فرصة للتخلص من القضية الفلسطينية.

وما أن انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي المصرية في سيناء حتى شنت حرباً على منظمة التحرير الفلسطينية لإخراجها من لبنان وإنهاء دورها السياسي والعسكري، وبالتالي إيجاد بديل لمنظمة التحرير من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يقبلون بحكم ذاتي تحت السيطرة الإسرائيلية.

وبعد توقيع اتفاق كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، والذي شكل إطار الحل بين الدول العربية وإسرائيل بما فيهم الفلسطينيون، حقق الموقعون أهدافهم من هذه الاتفاقية.

فبعد أقل من عام وفي 26 من مارس 1979 وقعت مصر اتفاق الصلح مع إسرائيل. ورغم احتجاجات جمة في العالم العربي إلا أن السادات مضى في سبيله مما تسبب في عزل مصر عن بقية العالم العربي.

بل أن الجامعة العربية جمدت عضوية مصر في الجامعة ونقلت مقرها من القاهرة إلى تونس.

وانسحبت إسرائيل من كل الأراضي المصرية، إلا أن جوهر الصراع العربي -الإسرائيلي وهي القضية الفلسطينية ظلت عصية على الحل.

وقد أعلن مناحم بيغن، رئيس الوزراء حينها، أن الحكم الذاتي الذي وافق عليه يخص الشعب وليس الأرض، لأن الأرض إسرائيلية. ومنذ هذه الاتفاقية ظلت القضية تراوح مكانها وعقبة لا يمكن تخطيها رغم مرور أربعة عقود بالتمام والكمال.

ومنذئذ قامت إسرائيل بضرب المفاعل الذري العراقي في العام 1981. وغزت لبنان في محاولة لتحطيم الكينونة السياسية الفلسطينية المتمثلة في ممثلها الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية. وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987، حاولت قمع الانتفاضة، ووعد وزير الدفاع حينها إسحاق رابين بتكسير عظام أطفال الانتفاضة.

وأصبح قطاع غزة الذي انسحبت منه إسرائيل، وأبقت على حصاره، حقل تدريب للرماية الإسرائيلية. ولا يكاد يمر عامان وإلا إسرائيل تهجم على القطاع وأهله.

والخلاصة أن اتفاق كامب ديفيد حقق للأطراف الموقعة، بما فيها الولايات المتحدة، مبتغاها.

وقد انخرطت هذه الأطراف في العملية السلمية بأجندات مختلفة وغايات متنوعة والتي أدت إلى نتائج مختلفة تخدم المصالح الضيقة للأطراف الثلاثة وليس السلام والاستقرار في المنطقة.

وهدف السلام المنشود في المنطقة، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أصبح كمن يطارد ظله، يراه ولا يستطيع اللحاق به.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات