في ذكرى فض «اعتصام رابعة»

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الصحافة الأميركية، وبعض من الأوروبية، وفي أروقة ما يسمى زوراً بالجماعات الحقوقية، كانت منذ أيام مناسبة ذكرى ما جرى في ميدان رابعة العدوية في القاهرة قبل خمس سنوات.

وبهذه المناسبة فإنه ربما لا توجد قصة تخص المحروسة وجرى تزويرها كما حدث مع أحداث 14 أغسطس 2013؛ والمدهش أن ما بها من تدليس ظاهر لا يبدو أن أحداً يريد اكتشافه أو مشاهدته، فضلاً عن مراجعته. المرجعية التي يستند إليها الجميع من الكتاب والباحثين هي التقرير الذي أعدته منظمة «هيومان رايتس واتش»، الذي اعتمد في معلوماته على ما قدمته له جماعة الإخوان.

والطريف بعد ذلك أن جماعة الإخوان نفسها عادت هي الأخرى لكي تروي القصة استشهاداً بالتقرير الذي اعتمد على أقوالهم منذ البداية.

لقد كان قرار فض اعتصام الإخوان في ميدان رابعة قراراً شعبياً في الأساس بدأ بالثورة في 30 يونيو التي أطاحت في النهاية بحكم الإخوان، ولكن فض رابعة كان له تفويض خاص من الأغلبية الساحقة من المصريين في 26 يوليو 2013.

وللأسف فإن القصة المصرية التي يعرفها وشاهدها المصريون لم تقص بعد على بقية العالم، ولعله من المعلوم في علوم الكذب والدعاية أنه من الممكن أن تجعل قصة كاذبة صادقة تماماً إذا ما جرى ترديدها بإصرار وكثرة. هذا إلى حد كبير يفسر التكرارية العجيبة في ترديد القصص عن «رابعة»، ومقارنتها بما جرى من قبل في ميدان «السماء السماوي» إبان ثورة الطلاب في بكين.

ما حدث في رابعة لم يكن بدايته في 14 أغسطس 2013 وإنما بدأ منذ 28 يناير 2011 عندما بدأت الجماعات المنظمة والمسلحة للإخوان في المواجهة المسلحة مع الشرطة والأمن المصري وما أعقبها من عمليات حرق واسعة النطاق للمباني الحكومية والمحاكم والمولات.

وبدأ التمهيد لمواجهة رابعة قبل الواقعة في 21 يونيو 2013 عندما بدأت جماعات الإخوان تتمركز في ميادين مصر المختلفة وعندما فشلت في احتلال ميدان التحرير فإنها ركزت تجمعاتها في ميداني رابعة في مدينة نصر والنهضة أمام جامعة القاهرة. كان ذلك قبل تسعة أيام من قيام ثورة 30 يونيو 2013 وقبل 54 يوماً من فض الاعتصام.

وأثناء هذه الفترة فإن «الإرادة الشعبية» للشعب المصري تجسدت أولاً في التوقيعات التي جمعها الشباب المصري «تمرد» وبلغت 22 مليون توقيع، مطالبة بعقد انتخابات رئاسية جديدة بعد أن أخل الرئيس بالتزاماته الدستورية. وثانياً لم يكن الأمر تحركاً شعبياً واسع النطاق فقط وإنما كان تعبيراً أيضاً عن المؤسسات المصرية التي تجسدت في الجهاز القضائي.

وفي المقدمة منه المحكمة الدستورية العليا التي حاصرتها جماعة الإخوان والجماعات الموالية لها، مانعة إياها من القيام بمهامها. وثالثها أن الفرصة ظلت متاحة للرئيس السابق مرسي لكي يلبي مطالب الشعب في انتخابات مبكرة حتى يوم 3 يوليو عندما اجتمعت طوائف الأمة كلها على خلعه.

ورابعاً أن قرار فض رابعة لم يكن فقط نتيجة إرادة الشعب كما جرى في 26 يوليو وإنما أن مؤسسات الدولة من الرئيس المؤقت عدلي منصور وحتى الوزارة القائمة التي ترأسها الدكتور حازم الببلاوي وجبهة الإنقاذ والعديد من الأحزاب السياسية كلها أجمعت على أن المدة كانت كافية تماماً لتحذير الإخوان في الميدان مرات عدة لكي يتركوا مواقعهم أو يتم فض الاعتصام.

الخطيئة الكبرى في الأدب الغربي كله عن رابعة أنها نظرت إلى الاعتصامات على أنها سلمية مثل تلك التي تجري في البلدان الغربية، حيث لا سلاح ولا أطفال ولا نساء يستخدمون كدروع بشرية ويجري فيها التحريض على العنف، والتهديد بحرق البلاد والعباد.

مثل هذا كان يجري في مصر بصورة يومية وعلى منصة اعتصامي رابعة والنهضة، ويتم نقل ما فيه عبر القنوات التلفزيونية، ولم يكن كشف الحقيقة يحتاج أكثر من الترجمة من اللغة العربية التي كان يعلن فيها الإخوان خطابهم الحقيقي المسموم إلى «الإنجليزية التي كان الإخوان يخصصونها للحديث المعسول عن الديمقراطية والسلمية والشرعية».

وهكذا كان منطقياً أن يأتي التجاهل التام لحقيقة أن الاعتصامات لم تكن ساكنة بل كانت متحركة.

كل ذلك وما هو أكثر يجري تجاهله، وبعد تكرار الأكاذيب يبدو الأمر وكأنه تعبير عن الحقيقة التي كانت. مثل هذا لا يجب له أن يستمر ليس فقط لأن العالم لابد أن يعلم الحقيقة، ولكن لأنه فصل من التاريخ المصري لابد له أن يستقيم على الحق والحقيقة من أجل أجيالنا القادمة.

 

طباعة Email