حاخامات البقرة الحمراء

«إشكاليتنا اليوم في المجتمع الإسرائيلي أننا نبحث دائماً عن هتلر جديد، ونعتبر كل من يخالفنا متعاوناً مع العدو، مع ضرورة التحذير من بعض الحاخامات الذين يغذون ظاهرة الكراهية لأي مختلف عنا، حتى لو كان من اليهود».

هذا جرس إنذار جديد من انهيار إسرائيل يقرعه هذه المرة إيهود باراك، عاشر رئيس وزراء لإسرائيل ووزير الدفاع من 1999 إلى 2001، ثم تولى مرة أخرى وزارة الدفاع من 2007 حتى 2013؛ ففي محاضرة له في تل أبيب أوردت تفاصيلها «يديعوت أحرونوت» أخيراً قال باراك إن إسرائيل دخلت مرحلة التيه .

و«نتنياهو اليوم لا يقف أحد في طريقه باستثناء نفتالي بينيت، لكنه غير جدي، لأنه يظهر كما لو كان يتلو فتاوى حاخامات، وليس هكذا تدار الدولة، ولذلك حين بدأت أرى السياسة الرسمية تصل إلى زوايا خطرة قررت الخروج للإعلام بعد سنوات من الغياب، والابتعاد عن الحياة العامة».

وصف باراك سياسة الحكومة الحالية بأنها خطر على المشروع الصهيوني «الديمقراطي» -حسب تعبيره- الذي أسسه ثيودور هرتزل وسار عليه بن غوريون وجابوتنسكي وبيغن ورابين، موضحاً أننا نشهد اليوم توجهاً للابتعاد عن ذلك والأخذ بإسرائيل نحو مفاهيم دينية بحتة.

لم يكد كلام باراك ينتهي حتى خرج المتدينون المتطرفون بحكاية «البقرة الحمراء»؛ فقد تحدثت جماعة متدينة يهودية، عن ولادة «بقرة حمراء» في «إسرائيل»، وهو الأمر الذي ينذر، وفق معتقدهم، بقرب بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.

وأعلن «معهد تيمبل» الإسرائيلي، «عن ولادة البقرة وهي الأولى منذ 2000 عام، والأولى منذ الهيكل الثاني (المزعوم) موضحاً أن هذه البقرة «النقية» ولدت يوم 28 أغسطس 2018، بحسب ما أورده موقع «ويللا» الإخباري العبري.

أوضح الموقع أن هذه البقرة «ترمز إلى بناء الهيكل الثالث (على أنقاض المسجد الأقصى)، وخروج المسيح ونهاية العالم» وفق معتقدهم. وفي مقابلة مع صحيفة «هآرتس» العبرية، يعتقد الحاخام حاييم ريتشمان، مدير الإدارة الدولية لمعهد «المعبد» في القدس المحتلة، أن «الوقت قد حان لبناء الهيكل الثالث».

إنها أساطير توراتية متصهينة؛ فالبروفيسور شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، يرى أن اليهود لم يكونوا في يوم من الأيام قومية واحدة أو شعباً واحداً، كما أنهم لا ينتسبون إلى عرق واحد. ويؤكد أن فكرة الوعد بعودة الأمة اليهودية إلى الأرض الموعودة هي فكرة غريبة تماماً على اليهودية، وأنها لم تظهر إلا مع ميلاد الصهيونية في القرن التاسع عشر.

حيث تعامل اليهود من قبل مع الأراضي المقدسة كأماكن يتم تعظيمها، وليس من الضروري العيش في كنفها، تماماً مثلما يتعامل المسلمون مع أماكنهم المقدسة.

هذه الآراء تشكل المحور الرئيس لكتاب ساند الذي أثار وما زال يثير الكثير من الجدل منذ صدوره باللغة العبرية عام 2008 تحت عنوان «اختراع الشعب اليهودي»، حيث تصدّر الكتاب قائمة أكثر الكتب مبيعاً لمدة تسعة عشر شهراً في «إسرائيل» نفسها رغم مساسه بأهم المحرمات عند اليهود.

كذلك يجادل المؤلف بأن اليهود لم يتعرضوا أبداً للنفي من الأرض المقدسة، ذلك أن معظم يهود العالم اليوم ليس لهم أي ارتباط تاريخي بالأرض المسماة «إسرائيل» مستنداً في ذلك إلى أبحاث ودراسات تاريخية مكثفة.

الفكرة الرئيسية في كتاب ساند أن اليهود لم يكونوا عبر التاريخ شعباً واحداً، وبأنهم كانوا متناثرين قبل أن تتمكن الصهيونية من جذبهم نحو مشروعها، ومن ثم احتلالهم لأرض كانت مملوكة ومعمرة من قبل شعب آخر وتسبب هذا الاحتلال بتشرده وشقائه، وكأنه يسأل من جعلنا سكاناً أصليين؟

رغم الاختلاف بين رئيس وزراء سابق هو يهود باراك وباحث مثل ساند إلا أنهما يتفقان على أن إسرائيل تتآكل من الداخل، فكل المؤشرات تدل على أن انهيار إسرائيل رغم قوتها، سيسبق بناء الهيكل المزعوم. فطالما تغنى «الحاخام» نتانياهو بأن إسرائيل الآن في أقوى حالاتها .

ولم يقل في أفضل حالاتها، فالذي ينظر من فوهة بندقية لا يرى سوى الهدف، أما الحقول والعصافير فإنه لا يراها، وإن فعل فإنها تكون بنظره أيضاً أهدافاً للنار. إنه يعتمد منطق القوة لا قوة المنطق.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات