صعود اليمين المتطرف في السويد

صعود حزب اليمين المتطرف في السويد كان بمثابة صدمة لبعض المراقبين، بينما اعتبره البعض الآخر صعوداً محدوداً لا ينبغي المبالغة فيه لأن الحزب لن يشارك على الأرجح في حكم البلاد. لكن وجه الخطورة فيما جرى في السويد لا يتعلق بمن سيحكم في المرحلة المقبلة بقدر ما يتعلق بالتحول الجوهري الذي طرأ على الخطاب السياسي بل وطبيعة العملية السياسية أصلاً.

ففى الانتخابات التي أجريت أخيراً، حصل حزب السويد الديمقراطي على 18% من الأصوات، وهو ما يعني أن اليمين المتطرف قد ازدادت شعبيته بواقع خمس نقاط عن الانتخابات الماضية. فالحزب كان قد حصل في انتخابات 2014 على 13% من الأصوات.

وقد اعتبر بعض المراقبين نتائج العام الحالي زلزالاً قوياً يُلحق السويد بقائمة طويلة من الدول الأوروبية، التي صعد فيها اليمين المتطرف، من المجر وبولندا وإيطاليا والتشيك، ومروراً بالنمسا وألمانيا ووصولاً للدنمارك وهولندا.

وحزب السويد الديمقراطي نشأ عام 1988 عبر اندماج حزب شعبوي يركز على القضايا الاقتصادية ومنظمة متطرفة تؤمن بتفوق البيض. وهو ركز في الانتخابات الأخيرة على قضية العداء للمهاجرين أكثر من أية قضية أخرى زاعماً، دون دليل، أن الهجرة رفعت معدلات الجريمة، فضلاً عن كونها تفرض ضغوطاً اقتصادية لا قبل للسويد بها، مؤكداً أن هجرة المسلمين تحديداً «تقوض الهوية السويدية وتهدد الوحدة الوطنية».

والذين يقللون من شأن التحول الذي أتت به نتائج الانتخابات يقولون إن الأحزاب التقليدية حصلت على نسب تصويت أعلى بكثير. فالكتلتان الكبيرتان من الأحزاب التقليدية، أي كتلة يمين الوسط وكتلة يسار الوسط حصلت كل منهما على ما يعادل 40% من الأصوات. أكثر من ذلك، يؤكد هؤلاء المراقبون أن كل الأحزاب السويدية الفاعلة، لا تزال ترفض التفاوض مع حزب السويد الديمقراطي، أي أنها جميعاً ترفض إشراكه في الائتلاف الحاكم الجديد.

لكن القضية تذهب، في الواقع، لما هو أبعد من مجرد رفض الأحزاب الكبرى التعاون مع حزب اليمين المتطرف، وذلك من زاويتين، أولاهما التحول الجوهري الذي طرأ على الخطاب السياسي في السويد وثانيهما يتعلق بالتحول الذي سيحل بطبيعة العملية السياسية بها من الآن فصاعداً.

فالسويد ينظر لها في أوروبا ليس فقط باعتبارها معقل الاشتراكية الديمقراطية، وإنما وهو الأهم باعتبارها معقلاً للتسامح فيما يتعلق بالتعددية. فالحزب الديمقراطي الاجتماعي حكم السويد طوال أغلب عقود القرن الماضي وكان وراء برامج دولة الرفاهية المسؤولة عن انخفاض الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بالمقارنة بأغلب الدول الأوروبية. أما فيما يتعلق بالتعددية، فقد ظلت أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط دوماً منفتحة على الهجرة ورافضة لوضع قيود عليها.

إلا أن تسارع معدلات الهجرة في السنوات الأخيرة تزامناً مع الضغط الذي شكله حزب السويد الديمقراطي من داخل البرلمان وخارجه أدى لتحول جوهري في الخطاب السياسي لتلك الأحزاب الكبرى أصلاً. فقد صارت هي الأخرى تتبنى تقييد الهجرة بعد أن كان ذلك الموقف مقتصراً على حزب السويد الديمقراطي، الأمر الذي أدى إلى جر العداء للهجرة إلى قلب الوسط السياسي بعد أن ظل طويلاً في أقصى اليمين.

أما العملية السياسية نفسها، فسوف تتأثر تأثراً جوهرياً بنسبة التصويت التي حققها حزب السويد الديمقراطي. فنسبة الأربعين بالمائة التي حققتها كل كتلة من الكتلتين الكبيرتين تسمح لأي منهما بتشكيل حكومة أقلية.

لكن صيغة حكومة الأقلية صيغة قلقة لا تسمح عادة باتخاذ قرارات جريئة بشأن القضايا الكبرى، الأمر الذي يجعل تلك الحكومة في مرمى نيران قوى التطرف، التي تزداد شعبيتها مع كل مواجهة جديدة. أما تشكيل حكومة أغلبية، فيعنى ائتلافاً واسعاً يضم أحزاباً من الكتلتين. وهو أمر صعب للغاية خصوصاً بالنسبة لأحزاب لم تعتد العمل معاً.

لذلك يرى المراقبون أن توقيت الإعلان عن حكومة جديدة بالسويد سابق لأوانه بكثير، وقد يصل الأمر لإجراء انتخابات جديدة إذا ما فشل البرلمان، وفق القانون السويدي، في تشكيل الحكومة عبر أربع محاولات مختلفة. وكل ذلك معناه أن العملية السياسية نفسها قد تغيرت بشكل جوهري في السويد عما كانت عليه طوال القرن الماضي.

ومن هنا، صحيح أن حزب اليمين الشعبوي المتطرف لم يحصل على نسبة من الأصوات تسمح له بتشكيل الحكومة وصحيح أن الأحزاب الأخرى قادرة، حتى الآن، على أن تتجنب إشراكه في الائتلاف الحاكم، إلا أن هذا لا يعني بحال أن ما حققه الحزب لا يرقى لمستوى ما جرى في دول أوروبية أخرى.

فحتى قبل أن يحصل على تلك النسبة في الانتخابات الأخيرة، فإن حزب السويد الديمقراطي كان قد نجح أصلاً في إحداث تحول جوهري في الخطاب السياسي للأحزاب الأكبر. وبمجرد حصوله على تلك النسبة الأعلى، تغيرت بالكامل طبيعة العملية السياسية بشكل لم تعهده البلاد على الأقل على مدار قرن من الزمان.

تعليقات

تعليقات