الوعي والسلوك

أعرّف السلوك بأنه الوعي وقد مشى على قدمين. إنه التحقق العملي للوعي، فمن احترام الآخر، وتقدير الكبير، والحفاظ على نظافة المدينة، وحب الوطن، وعدم الاعتداء، ومن رمي أعقاب السجائر في شوارع المدن، إلى قتل المختلف، مروراً بضرب الزوجة والموقف العنصري، كل هذه الأنماط من السلوك وغيرها ليست سوى التعبير العملي لأشكال الوعي الفردي والجماعي.

فالسلوك الأخلاقي والسلوك غير الأخلاقي مترابطان بالوعي الأخلاقي والوعي اللاأخلاقي.

وإن دهشتنا بسلوك شرير من قبل إنسان ما، أو جماعة ما راجعة إلى أننا لم نربط بين الوعي والسلوك، أو جهلنا ببنية الوعي التي تقف وراء السلوك. ولأننا نفترض بأن الغلبة يجب أن تكون في الحياة للوعي الأخلاقي الإيجابي الذي يجعل من الإنسان غاية.

إن الوعي ليس هو جملة المعارف المكتسبة عن طريق التعلم فقط، بل هو جملة المعتقدات التي تتحكم بطريقة التفكير التي يكتسبها الفرد من الجماعة عبر التربية، وتعبير عن الأيديولوجيا الظاهرة والمستترة التي يعتنقها الفرد أو تعتنقها الجماعة.

فالفرد بوصفه كائناً يعيش في قلب الجماعة، ويتلقى منها ثقافتها السائدة، فإن يعكس وعيها، أو يتمثله، ويرفضه أحياناً إذا كان قد شكل وعياً متجاوزاً لها.

فالعلم الذي لم يتحول إلى وعي علمي عند صاحبه، فإنه يبقيه في مرحلة الوعي الأسطوري أو اللاعلمي. ويظل هذا الذي لم ينتقل من العلم إلى الوعي العلمي كصندوق معلومات لا قيمة لها في الحياة.

ولهذا فلا يختلف سلوك حامل شهادة دكتوراه بالألسنية لم تساعده الألسنية على فهم الخطابات، وبقي أسير معتقداته، عن سلوك شخص عامي وأمي يعمل في كراجات الحافلات وتصطاده الحركات الأصولية كداعش وحزب الله.

كما لا يختلف عالم فيزياء حافظ على وعيه الأسطوري عن مشعوذ يشفي الأمراض عن طريق التمائم (الحجب).

ولأن الوعي سابق منطقياً على السلوك، فإن الاهتمام بخلق الوعي الذي يحترم الحياة، والآخر، ويحب الانتماء دون تعصب، ويؤمن بحرية الإنسان التي تقف عند حدود حرية الآخر، وتمنعه من الاعتداء، أمر على غاية كبيرة من الأهمية لخلق مجتمع التسامح والأمن الاجتماعي، والحياة المعشرية السلمية. بل قل بأنه كلما انتصرت فكرة الحرية في المجتمع وفي وعي الفرد صار توقع سلوك الأفراد أكبر.

ولأن الإنسان يتشكل وعيه دون توقف، وبخاصة في هذه المرحلة من التاريخ، فإن الوعي المعاصر للإنسان العربي يخضع لشتى أشكال ضخ الوعي من أدوات كثيرة جداً صارت في متناول اليد، كالتويتر واليوتيوب والفيسبوك، والواتس أب، والقنوات التلفزيونية. ولأن الأمر هكذا ولأن حرية البث على هذه الأدوات متوافرة، فإنا نواجه مشكلة ضخ كل أشكال الوعي المتخلف الذي إما أن يستجيب إلى صاحب الوعي المتخلف ليؤكد وعيه، أو يزيف وعي الشبيبة وهذا هو وجه الخطورة.

ولأن الأمر كذلك، ولأنه لا يمكن التحكم بوسائل التواصل هذه والسيطرة عليها، فإنه تقع على عاتق النخب ذات التوجه الإنساني مهمة على غاية كبيرة من الضرورة في خلق الوعي. لكن النخبة تحتاج إلى دعم من المجتمع المدني، ومن مؤسسات غايتها نبيلة في هذا الشأن.

بقي أن نقول بأن الوعي المنحط أخلاقياً، والمتعصب أيديولوجياً، هو شكل من أشكال الغباء العاطفي الذي يتأسس عليه السلوك العنفي. لأن أهم مظهر من مظاهر الغباء العاطفي هو موت الآخر ونفيه.

تعليقات

تعليقات