عبرة أوسلو

بعد ربع قرن بالتمام من توقيعه في حفل مشهود بحديقة البيت الأبيض، أمسى اتفاق أوسلو يعاني من النسيان والهجران. الاتفاق الأشهر؛ الذي دشن الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، يعيش اليوم في حالة موت سريري، وهو منبوذ على قارعة عملية التسوية ولا يجد من يحنو عليه. وبوضعيته هذه، يعد شاهداً آخر على صحة المقولة المتواترة التي مفادها إن للنصر والنجاح مئة أب فيما الهزيمة والفشل لا أب لهما.

علة إخفاق هذا الاتفاق أنه قام وقعد على تصورين. الأول فلسطيني، وجوهره إمكانية تطبيق استراتيجية خذ وطالب، على غرار ما اشتقته بعض حركات التحرر العالمية، ولاسيما في المنطقة العربية. والثاني إسرائيلي، وموجزه القدرة على ترويض الحالة الفلسطينية واحتوائها وطيها بالكامل تحت الجناح، ثم توجيهها وفق التقديرات الصهيونية.

الآن يصح الاعتقاد بأن الطرفين اللدودين كانا موهومين. فطبيعة الصراع بينهما، لا تسمح من جانب بالمحاكاة الفلسطينية لأمثلة الاستقلالات المتدرجة أو المتدحرجة؛ التي تنتهي بحمل المستعمر لعصاه والرحيل. ومن جانب آخر، لم يتعظ الإسرائيليون بسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ولا هم قرأوها بعقل بارد. ولو أنهم فعلوا لأدركوا مقدار حيويتها، وكيف أنها كانت قادرة، رغم الأعطاب الذاتية والضغوط الخارجية، على التجدد وإعادة التموضع والتحدي.

ولعلنا لا نبالغ إن ذهبنا، استطراداً، إلى أن مقاربة الإسرائيليين ومسانديهم، تكاد راهناً أن تكرر التوصيف الخاطئ ذاته لهذه الحركة، بين يدي حديث ما يدعى بصفقة القرن.

تشابه المناخ العربي الإقليمي الملتاع، والدولي الضاغط، عقب احتلال العراق عام 1991، الذي دفع بالفلسطينيين إلى حوزة أوسلو بعد عامين، مع الأجواء الراهنة، لاسيما عربياً، يغري باحتمال مرور «الصفقة». غير أن أحد أبرز نقاط الاختلاف بين التجربتين، الفاشلة عبر أوسلو والمؤهلة للإخفاق حالياً، أن الأخيرة لا تلقى ارتياحاً فلسطينياً أو عربياً أو حتى إقليمياً. هذا في حين وجدت سابقة أوسلو شيئاً كثيراً من الاستحسان، جراء الوعود التي حفت بها وسيقت وقتذاك في ركابها

من عيوب أوسلو والصفقة ونظائرهما، تنحية المرجعية القانونية والقضائية الدولية جانباً، إلى مستوى الإهمال والتجاوز الكلي تقريباً. ولقاء ذلك دفع الجانب الفلسطيني ثمناً باهظاً من حقوقه المشروعة والمقررة وغير القابلة للتصرف. والمفارقة بهذا الخصوص، أن هذه المرجعية كثيراً ما تصدرت ديباجات اتفاقات التسوية المنجزة والمقترحة على حد سواء؛ لكن حضورها ظل شكلياً وبلا أصداء حقيقية في المتون والتطبيقات. وفي وقت متأخر، أضحى استحضارها والتعلق بها جزءاً أصيلاً من استراتيجية المقاومة الشعبية الفلسطينية.

لا ندري ما إن كان الوقت قد فات على هذه الصحوة الحقوقية القانونية؛ لكن المؤكد أنه لا بديل مطروح لها حتى إشعار آخر، وأنها راكمت مكاسب لا بأس بها، كالاعتراف بفلسطين دولة غير عضو بالأمم المتحدة، وتقدم حركة مقاطعة إسرائيل، وفضح المضامين العنصرية للاحتلال الإسرائيلي.

واللافت أن غلو معالم العنجهية والمروق والعصيان الإسرائيلية، المدعومة أميركياً، تجاه كل من القوانين الدولية وقرارات التنظيمات الساهرة عليها، يغذي جهود الدبلوماسية الكفاحية الفلسطينية في هذا السياق.

وآخر آيات هذه الحقيقة الغضب والرفض العالميين للاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ وإقرار ما يسمى بقانون القومية اليهودية؛ الذي أضاء كثيراً حول حالة الأبارتيد التي توغل إسرائيل في الوقوع في أحابيلها.

بالتوازي مع مشاغلة إسرائيل ومطاردتها حقوقياً؛ وإحياء المنسي والمهجور والمهمل من التراث الحقوقي الفلسطيني، لا ينبغي التخلي عن أدوات التجذر في الوطن الفلسطيني ومأسسته وملء أي فراغ جغرافي في رحابه بالعمران الذاتي، وإخلاء الرحاب الفلسطينية من أمراض الانقسام الجغرافي والسياسي والفساد بكل معالمه. البناء والمأسسة والتلاقي بين القوى والتنظيمات المدنية والسياسية والعافية الأخلاقية وطهارة الأيدي والضمائر، مقومات لا غنى عنها لإثبات جدارة الاستقلال. فالدول والكيانات لا تنشأ بمحض القرارات والنصوص القانونية، وإنما بالوقائع المادية الملموسة والمنظورة على الأرض.

هذا ما حدث بين يدي تطبيق المشروع الصهيوني ذاته. ففي عام 1948، كان ما يسمى بإعلان الاستقلال الصهيوني ليلة الخامس عشر من مايو وتوابعه، مجرد رفع للستار عن كيان جرت عملية بنائه لبنة لبنة ومؤسسة مؤسسة، ولو بالباطل، خلال السبعين عاماً الماضية.

تعليقات

تعليقات