الصناعة في غير الصناعة!

ما هي الصناعة التي تحدث في غير الصناعة؟ وهل هي في النهاية نوع من «الصناعة الناعمة»؟ ربما يكون الحال كذلك، ولكن الفكرة أتت من اللاعب محمد صلاح. فهو في الأول والآخر «محترف» هو منتج فردي له حرفة لعب الكرة بمهارة جعلته يحصل على جوائز كثيرة.

ولكن لاعبنا العظيم له رفيق دائم هو «الوكيل» الذي هو ليس فرداً وإنما مكتب يضم خبراء لديهم القدرة على حساب قيمة لاعبهم مقارنة بآخرين، وعملهم يصب في الكيفية التي يتم بها نقل اللاعب من نادٍ إلى آخر، وكذلك كيف يكون الاستثمار فيه من أول «التي شيرت» الذي يرتديه وحتى «البراند» الذي يمثله.

هو في نهاية الأمر «صناعة» متكاملة تدخلها مدخلات من أول تعلم اللغة الإنجليزية، وحتى تقرير دور «مكة» ـ الطفلة الجميلة ـ في حفل يحصل فيه صلاح على الحذاء الذهبي. بالطبع فإن لاعبنا الحريف ليس هو اللاعب الوحيد في الكون، فقد سبقه على الطريق صناعات أخرى حصل فيها كل من ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو على خمس كرات ذهبية.

وإذا كان لاعب كرة القدم قد صار صناعة، فإن كرة القدم، وبالطبع وغيرها من الألعاب، صارت هي الأخرى صناعة، اللاعبون والفرق مجرد فروع في هذه الصناعة، والآن أصبح «الاستاد» هو المصنع الكبير الذي لا يلعب فيه اللاعبون، وتتنافس فيه «براندات» الأندية، وإنما هي سوق كبير مرعب للمواهب والملابس والمنتجات.

هل يمكن تصور أن الجامعات هي الأخرى مصانع؟ كان ذلك ما حدث لي عندما قضيت صيف عام ٢٠٠٣ في جامعة هارفارد لكتابة بحث عن «المبادرة العربية للسلام». كل ما سمعت به عن الجامعة من قبل كان صحيحاً من النواحي الأكاديمية والعلمية، الحوارات والنقاشات، وحتى المطاعم التي يأكل فيها الحائزون على جائزة نوبل.

ولكن الجامعة أكثر من ذلك، هي صناعة كاملة للعلم، بل وحتى المنتجات الخاصة جداً بالجامعة الأولى على العالم من أول الملابس والحقائب وحتى سلاسل مفاتيح السيارات.

مباني الجامعة كلها تقع حول ميدان هارفارد، والشوارع المتفرعة عنه، وكلها تشكل «مولاً» كبيراً، تتحرك فيه الأموال بقدر ما تأتي به الأفكار، وتجري فيه عمليات للصقل والإنتاج لأفراد خارقي الذكاء ينتج عنهم عشرات من المنتجات الفكرية والعلمية، ومن أول شبكات التواصل الاجتماعي وحتى حل الصراعات الدولية.

الجامعات تقودنا إلى المطارات والمستشفيات الكبرى. على سبيل المثال فإن مطار القاهرة الدولي مهمته تسفير المسافرين واستقبال العائدين، هو نوع من الحرفة التي تهتم بفرد أو جماعة، ولكن مطار شيكاغو أو جون كنيدي أو فرانكفورت فهي مصانع متكاملة.

أنت لا تدخل فيها للسفر وإنما للتسوق والاطلاع على العولمة والاحتكاك بثقافات متعددة، وفي كل هذا شبكات متعددة من الطاقة والإنتاج والاستهلاك، وبعد ذلك يذهب كل إنسان إلى حال سبيله. هي صناعة التجميع والتفريق، كما يحدث في كل أنواع المواد الأولية التي يجري تجهيزها ثم استخراج منتجات جديدة.

وعندما ذهبت إلى مستشفى «إم. دي. أندرسون» في مدينة هيوستون الأميركية لم يكن ما ذهبت إليه أطباء ومعالجين وباحثين، وإنما كان حول كل ذلك وبجواره مدينة كبيرة تعزف فيه الموسيقى، وبها من المطاعم ما يسر المرافقين. بالطبع فإن البحوث الكثيرة تنتج الأدوية التي تبدأ تجريبية ثم تنتهي إلى طرحها التجاري في أسواق العالم؛ ولكن ذلك ليس كل الموضوع.

لماذا كل هذه الأمثلة؟ الإجابة لأننا بصدد تحقيق انطلاقة كبرى في مصر، وهذه لا تكون الآن في الدنيا إلا إذا علمنا أن صناعة البشر لا تختلف كثيراً عن صناعة الحديد والصلب، بل لعل هذه باتت رمزاً للثورات الصناعية الأولى.

أما الثورات الثالثة والرابعة الآن ففيها أشكال جديدة تنتج للكون بأكثر مما تنتج لفرد أو لجماعة أو حتى دولة وأمة بكاملها، وفي هذه فإن فرداً واحداً، أو مطاراً، أو جامعة، أو مستشفى، أو نادياً رياضياً، كلها باتت مصانع ومصانع كبرى أيضاً.

وفي دول مثل مصر فإن التراث يصير هو الآخر صناعة، ليس فقط لأن الحرف تستخرج منه عقداً أو سواراً، أو فنوناً وأدباً وموسيقى، وإنما لأنه منه تأتي تصميمات العمارة، ونماذج التطور البشري، وأنسجة وصناعات للهوية التي تربط شبكات واسعة من البشر.

مصر كلها بعبقرية المكان وجهد البشر يمكنها أن تكون ليس فقط أقدم دولة في التاريخ، وإنما هي أعظم دولة في المستقبل إذا ما باتت مصنعاً هائلاً ممتداً بين نهر وبحرين.

 

 

تعليقات

تعليقات