البصرة تنتفض لمواجهة المستقبل

الأنظار، عراقياً وإقليمياً، مسلطة على مدينة البصرة إحدى أغنى المدن في العالم، ومع ذلك لا تجد ماء لتشربه ولا كهرباء لتخفف من لهيب ما تتعرض له، وهي مصنفة ضمن المدن الأكثر حرارة في العالم هذا فضلاً عن نسبة البطالة المرتفعة جداً فيها.

الكلمات لا تستطيع التعبير عن عمق وسعة مأساة هذه المدينة وأهلها، عشرات الآلاف من حالات التسمم، بسبب المياه المتوافرة لها والتي ليست غير صالحة للاستهلاك البشري فحسب.

بل ليست صالحة لأي استخدام آخر. هذا وحده يبرر انتفاضة المدينة واختراقاتها لخطوط التماس مع الإدارات الحكومية ومع عدد من الأحزاب والحركات السياسية دون الحاجة لتسطير قائمة طويلة من المفردات كل منها يتطلب إقامة دعوات قضائية تطال النظام السياسي بكامل «عَرَّابِيه»، الذين لم يتركوا نافذة أمل أمام الشباب إلا وأغلقوها، تاركين إياهم يائسين مكرهين لانتزاع ما سلب منهم بقدراتهم الشخصية المحدودة.

ومع أن جميع مدن العراق تعاني من سوء الخدمات إلا أن تداعيات ذلك تصبح أكثر ثقلاً على كاهل المواطن كلما اتجهنا جنوباً وصولاً إلى البصرة، حيث يصلها النزر الضئيل جداً من المياه بعد أن حملت معها كل ما أفرزته المدن التي سبقتها من ملوثات.

التظاهرات في مدينة البصرة بدأت سلمية تتماشى مع وداعة المدينة ودماثة خلق مواطنيها وبصمات إرثها الثقافي والحضاري، الذي لا ينازعها فيه أية مدينة عراقية أخرى مطالبة بحقوق مشروعة تتعلق بنقص كبير في الخدمات الأساسية كتوافر الكهرباء والماء.

ولكن الصورة بدأت بالتغير بعد فشل مجلس النواب في الثالث من سبتمبر الجاري إنهاء الأزمة السياسية في إقرار الكتلة الأكثر عدداً وانتخاب رئيس المجلس ونائبيه كما ينص الدستور، فأصبح الخروج من المأزق السياسي والأمني أكثر صعوبة وأشد تعقيداً وأصبح اللا يقين هو من يرسم معالم المستقبل حيث تحولت انتفاضة البصرة إلى قضية سياسية جهات عديدة تحاول توظيفها واستثمارها لصالحها.

هذه الانتفاضة تختلف عن سابقاتها فقد سقط فيها عدد من القتلى وعشرات الجرحى من المتظاهرين ومن القوات الأمنية، وأحرقت فيها مقرات الحركات والأحزاب القريبة من إيران وأضرمت النار في القنصلية الإيرانية ورفعت فيها شعارات معادية للوجود الإيراني، وهي من هذا المنظور تبعث برسائل سياسية متعددة وشديدة اللهجة لإيران ولحلفائها.

الموضوع غير معزول عن تفجر الصراع بين حلفاء الأمس، الذي لم يعد بقدرة أطرافه التكتم عليه والذي اندلع بإقالة فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي من جميع مناصبه الأمنية وبدأ صراع كسر العظم بين العبادي وقوات الحشد أو بتعبير آخر بين العبادي والتيار، الذي يمثله وبين التيار المقرب لإيران.

محافظة البصرة تشهد تراجعاً وضموراً بيئياً لا يخطئه الراصد، فالنقص المزمن في الماء والكهرباء والتردي في الخدمات على جميع المستويات ليست وليدة الحاضر القريب.

فهناك عوامل عديدة تضافرت وعلى أمد طويل لإيصال الحال فيها إلى ما وصلت إليه دون وجود سياسات تعالج هذا التراجع. سلسلة من الحروب وحصار طويل تلاه الغزو الأميركي وظهور تنظيم داعش وسوء الإدارة وتفشي الفساد وتجاوزات دول الجوار على منظومة مياه الأنهار في المنطقة، التي تضرر منها العراق بوصفه دولة المصبات لهذه الأنهار.

وتأتي هذه الأزمة في ظروف حساسة حيث تُرسم الخريطة السياسية الجديدة والتي تتضمن تعيين الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة لتستغل من قبل القوى المتناحرة وتوظف ضد رئيس الوزراء العبادي للمطالبة باستقالته. وليستغل الحشد الشعبي هذه الفرصة ليتخذ قرار الانتشار في البصرة لحفظ الأمن، متجاهلاً دور الدولة في الانفراد بأحد أهم عناصر سيادتها وهو صلاحياتها في رسم سياساتها الأمنية، ومُخاطراً بتحمل مآلات التصادم مع أجهزتها.

الحكاية لم تنته بعقد جلسة استثنائية لمجلس النواب المنتخب لمعالجة أوضاع البصرة بطلب من زعيم

ائتلاف «سائرون» مقتدى الصدر، فالمجلس ليس لديه سلطات تنفيذية وما لدى الحكومة من قدرات محدودة جداً لا يرقى إلى مستوى ما يراد منها وهي في وضع يفرض عليها قيود كثيرة سياسية وأمنية ومالية في

هذه الظروف الحساسة التي تقرر المصير السياسي لرئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي تضاءلت فرص بقائه في الحكم إلى حد بعيد خاصة بعد تفكك ائتلاف النصر الذي يتزعمه.

 

تعليقات

تعليقات