رائحة الغربة

تنتظرهم بملء الشوق. قبل شهر تعد لهم الأرض والقلب. أولئك الذين لك وسرقتهم الغربة منك. الغربة صلبة، لكن الحياة أصلب، وما عليك سوى أن تكون أكثر صلابة رغم قسوة الحنين وتسارع النبض حين تتذكرهم. يمر طيفهم أمامك فتنهض كلك لاستقبالهم. تدق الريح بابك فتظنهم أتوا، تسرع لتفتح، تمسك بيد الباب فإذا هي قبض الريح.

إنه الصيف، موسم عودة الطيور المهاجرة، استراحة الغرباء في حضن الأم والأب، الحضن الذي لا يفتر ولا يبرد. يحافظ على دفئه في صقيع الغربة وفي حرارة دمع الفراق.

كان صيفنا هذا العام ودوداً كريماً. ابنان، باسل وحسام، وخمسة أحفاد جاؤوا من بلد إقامتهم العربي الذي فيه ولدوا. وشاء القدر أن يعودا إليه شباناً حاملين ذكريات طفولة وشهادات جامعية كل في تخصصه. باسل، أخصائي يفحص النظر ويفتح في العتمة طاقة نور لمن حرموا من بعض نعمة البصر. حسام درس الكمبيوتر وتخصص في البرمجة.

أذكر حين يغترب كل منهما كنت أوصيه: عملك ثم عملك ثم عملك ثم... عائلتك وحياتك. تماماً كما كنت أوصيهما وشقيقيهما محمد وحاتم وشقيقتهم داليا وهم صغار: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك، الذي هو أنا.

لا قلب أحن من قلب الأم. وليس عبثاً أن أكثر ما يعلق في ذاكرتنا، وربما أجمل ما كتب محمود درويش: أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي.. ولمسة أمي.. وتكبُر في الطفولة.. يوماً على صدر يوم.. وأعشق عمري لأني. إذا مت، أخجل من دمع أمي!

الغربة درجات من بيت إلى بيت، من حارة إلى حارة، من مدينة إلى مدينة، إلى بلد، إلى قارة. ربما كان العرب أكثر الأمم التي مارست الاغتراب. ليس حباً في الغربة بل هروباً من واقع أكثر غربة. تلك التي يطلق عليه تسمية هجرة.

فحسب إحصائية منظمة الهجرة الدولية (قبل طوفان الهجرة السورية)، هناك 13 مليون مهاجر عربي في العالم من الجيل الأول فقط، حيث يساهم المهاجرون في إنعاش وتطوير اقتصادات دولهم الأم، عبر تسهيل نقل الموارد المادية والبشرية إلى المنطقة العربية. أغلبهم لا ينسون قراهم ومدنهم، وكم منهم أوصى بأن يدفن في قريته التي لم تزل تشرب من النهر وتأكل من خبز الطابون والتنور.

كانت الأميركتان الوجهة الأولى لموجات الهجرة العربية، وكان ذلك في بدايات القرن التاسع عشر، وهذا ما يفسر كون أكبر تجمع للعرب خارج الوطن العربي في البرازيل، التي تحتوي على أكثر من 15 مليون عربي، أغلبيتهم من لبنان (11 مليون برازيلي من أصل لبناني) وسوريا (4 ملايين)، ما يجعل الشعب اللبناني في البرازيل أعلى بمرتين ونصف مما هو في لبنان.

وهذا دون نسيان المجتمعات المكونة من قبل الشوام وبالأخص اللبنانيين والسوريين في باقي دول أميركا على غرار المكسيك، الأرجنتين، فنزويلا، كولومبيا، الإكوادور، التشيلي، الأوروغواي، البيرو، جامايكا، جمهورية الدومنيكان، هايتي وغيرها.

أما الفلسطينيون فقد كانت وجهتهم خارج الوطن العربي في التشيلي ودول أميركا الوسطى، خصوصاً السلفادور وهندوراس (150 ألفاً و200 ألف). والمكون الفلسطيني في التشيلي يقدر بنصف مليون شخص ما يجعل الجالية هناك تحتل المركز الرابع من حيث تواجد الفلسطينيين عبر العالم.

وقد أبدع المهاجرون العرب في المهجر ووصلوا حتى إلى مناصب رؤساء تلك الدول ومنهم: انطونيو سقا (فلسطيني الأصل)، رئيس دولة السلفادور (2004-2009). ميزان زين العابدين سلطان ترغكانو، سلطان ماليزيا (1998-...)، كارلوس منعم (سوري الأصل)، رئيس الأرجنتين (1989-1999)، وغيرهم كثر.

الغربة في بلد عربي ليست غربة بالمعنى القاسي للغربة، لكنها البعد عن الحضن. فمن خلال الواتس أب ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، لم يعد ثمة مسافات. لكنها بلا رائحة أم ولا عناق أب ولا لمس من تحب.

 

تعليقات

تعليقات