الشباب في حركات العداء للأجانب

العنف الذي صاحب التظاهرات التي اندلعت في مدينة كيمنيتز الألمانية طوال الأسبوع الماضي أعاد للواجهة ملف اليمين المتطرف في ألمانيا وأوروبا بوجه عام وما يمثله من خطورة ليس فقط على المهاجرين والمسلمين وإنما على عافية تلك المجتمعات.

فمدينة كيمنيتز كانت تشهد مهرجاناً استمر عدة أيام، فوقعت في واحدة من لياليه مشادة بأحد شوارع المدينة كان أطرافها مجموعة من الشباب البيض وغير البيض، أسفرت عن طعن ثلاثة منهم، توفى أحدهم متأثراً بجراحه ونقل الآخران للمشفى، بينما تم القبض على اثنين آخرين قيل إنهما من أصول عراقية وسورية.

وقد خرج المئات من أنصار اليمين المتطرف في المدينة في تظاهرات جابت شوارع المدينة بعد أن عرفوا بالنبأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي دعت من خلالها للتظاهر جماعات معروفة بانتمائها لليمين المتطرف.

ومن الجدير بالذكر أن حزب البديل الألماني، اليميني، كان ممن دعوا للتظاهر بل وطالب أحد رموزه المهمة بالمدينة المواطنين «بحماية أنفسهم طالما الولاية عجزت عن حمايتهم».

والتظاهرات التي كانت في اليوم الأول أقرب للتلقائية بدت في الأيام التالية أكثر تنظيماً وعدداً. وكان من اللافت للانتباه أن صحيفة اتهام الشابين، اللذين ألقي القبض عليهما، تسربت وبالذات لمواقع تلك الجماعات اليمينية مما زاد من سخونة الأحداث. أكثر من ذلك، كانت الكثير من الأنباء الزائفة التي تداولتها مواقع اليمين المتطرف عبر شبكات التواصل الاجتماعي قد صبت المزيد من الزيت على النار المشتعلة طوال الأيام التالية. فقد نفت الشرطة الألمانية مثلاً وبشكل قاطع خبراً كان يقول إن موضوع المشادة كان حماية سيدة بيضاء تحرش بها عدد من المهاجرين الأجانب.

وهو اتهام طالما استخدمته بالمناسبة القوى العنصرية طوال تاريخها. وقد أدى ذلك الخبر تحديداً لحشد أعداد أكبر من الغاضبين الذين خرجوا في تظاهرات صاحبها الكثير من العنف اللفظي والمادي، فضلاً عن استخدام تحية النازي، التي يجرمها القانون الألماني. وقد أدى خروج تظاهرات من قوى مناهضة لليمين لتزايد العنف الذي استمر عدة أيام.

لكن لعل أكثر ما يلفت الانتباه في الحدث برمته كان في تقديري ما نقلته عدسات الكاميرا. فأغلبية الوجوه في التظاهرات كانت للشباب. ورغم أن أغلب الشعارات التي رفعها المتظاهرون كانت صادمة لحد كبير، فإن الأكثر خطورة في تلك التظاهرات هي ما كشفت عنه من قدرة تلك الحركات المتطرفة على استقطاب الشباب.

فليس سراً أن روابط مشجعي كرة القدم بمدينة كليمنتز كانوا على رأس الذين رفعوا شعارات مثل «ألمانيا للألمان، والطرد للأجانب»، وحملت صفحة إحداها عبارات مثل «دعونا نثبت من له الكلمة العليا في المدينة».

لكن ظاهرة ارتباط الشباب الأوروبي باليمين القومي المتطرف تذهب لما هو أبعد من روابط الكرة. فحركة «الهوية» التي نشأت أول الأمر في فرنسا ثم صار لها وجود أقوى في النمسا وألمانيا، أخطر بكثير، في تقديري، من الحركات التي ترفع شعارات ذات طابع عنصري ونازي صريح.

فلعل أهم ما يميز حركة «هوية» هو تمتع شبابها بذكاء إعلامي واضح. فهم يستخدمون تكتيكات قادرة بسهولة على اجتذاب التغطية الإعلامية ويروجون للحركة من خلال شعارات تستخدم لغة بعينها قادرة على اجتذاب قطاعات أوسع من الشباب.

فهي تتجنب استخدام التعبيرات العنصرية الفجة التي تستخدمها التنظيمات الأخرى. فعلى سبيل المثال، تقول حركة «هوية» الألمانية إنها ببساطة تدافع عن «دعائم الفخر الوطني»، إلا أن الحركة تقول مثلاً إنها تعتبر سياسة الهجرة التي تتبعها أنجيلا ميركيل «خيانة لأمن ألمانيا». غير أن المدقق في شعارات الحركة وارتباطاتها يجد ملمحاً عنصرياً لا تخطئه العين.

فالحركة بفروعها الأوروبية المختلفة تؤمن بأن هناك مؤامرة تهدف لإحلال المسلمين وغير البيض من أفريقيا والشرق الأوسط، محل الشعوب الأوروبية.

والحركة تؤمن على سبيل المثال، بما تسميه «إعادة التهجير»، أي إعادة المهاجرين كل لموطنه الأصلي.

وحركة هوية ليست فقط ذات ارتباطات بروابط مشجعي الكرة المتطرفة وإنما بحركات وجماعات أخرى معروفة بتطرفها وشعاراتها الأكثر فجاجة وعنصرية مثل حركة بيجيدا الألمانية. وبيجيدا اختصار لعبارة بالألمانية معناها «الشعب ضد أسلمة الغرب».

لكن حركة «هوية» أكثر خطورة في تقديري. فلأن الواقع، كما تقول الإحصاءات، يؤكد أن نسبة المواطنين من غير البيض داخل دول الاتحاد الأوروبي لا تتجاوز 4%، فإن الترويج للخوف من الأجانب فيه من الخيال أكثر مما فيه من الحقيقة.

لذلك فإن استقطاب المزيد من الشباب للحركات المتطرفة يطيل طبعاً من عمر تلك الحركات، خصوصاً إذا كانت تستخدم شعارات يمكن معها الولوج بسهولة للتيار الرئيسي في الحياة السياسية بدلاً من البقاء على الهامش.

تعليقات

تعليقات