استفزاز لا مبرر له

بدافع الخوف، وليس الاعتراف بالخطأ، أعلن النائب الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز أنه ألغى خططاً لإقامة مسابقة للرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان ينوي إقامتها قبل نهاية العام الحالي في مبنى البرلمان الهولندي.

وقال في بيان أصدره يوم الخميس الماضي: «قررت وقف مسابقة الكاريكاتير لتحاشي خطر وقوع ضحايا للعنف الإسلامي، فسلامة الإنسان لها الأولوية». وأضاف: «لن أوقف حملتي الشخصية ضد الإسلام، لكن الخطر على الأبرياء، بالإضافة لخطر شن هجمات على هولندا بسبب المسابقة المقترحة كبير جداً».

قرار يبدو صحيحاً في مضمونه، لكن مبرراته خاطئة، فمن يبدأ بالإساءة لا بد أن يتوقع رداً أسوأ. والإساءة إلى الرموز الدينية كبيرة لا يقبلها البشر، أياً كانت ديانتهم.

وإذا كنا ننتقد الحركات والجماعات الدينية المتطرفة التي تدعو إلى تكفير أتباع الديانات الأخرى، وتُحلّ سفك دمائهم، فإننا نرفض أيضا الحركات الاستفزازية التي تسيء إلى الرموز الدينية لأي دين من الأديان، ومنها ديننا الإسلامي الحنيف، الذي يفرض على أتباعه احترام الديانات الأخرى، ويدعو المسلمين إلى احترام رموزها وشخصياتها.

لذلك كان اعتزام النائب الهولندي اليميني المتطرّف تنظيم مسابقة دولية حول رسوم كاريكاتيرية تسيء للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تصرفاً مرفوضاً، وحركة في غير محلها، لأنها تعزز ثقافة التعصب والتحريض على الكراهية، وتؤدي إلى إشعال حرائق في الكثير من مناطق العالم، وأولها هولندا، حتى لو نأت الحكومة الهولندية بنفسها عن المعرض.

وأكدت أن مثل هذا العمل لا يعبر بأي شكل من الأشكال عن موقف الحكومة والمجتمع الهولندي، مثلما جاء على لسان وزير خارجيتها ستيف بلوك في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري، الذي أكد لوزير الخارجية الهولندي أن العالم أحوج ما يكون الآن لتعزيز ونشر قيم التسامح، واحترام الرأي الآخر، واحترام المعتقدات والأديان لدحر التطرف الديني والإرهاب والعنف.

نحن نقدِّر ما قاله رئيس الوزراء الهولندي «مارك روته» للصحفيين، حين صرح بأنه من الصعب أن يتفهم «الهدف الإيجابي» الذي يأمل فيلدرز تحقيقه، لكن النائب المعارض يمارس حقوقه بموجب القوانين الهولندية المتعلقة بحرية التعبير.

ولكن كان واضحاً أن ثمة من يستعد للرد على خطوة فيلدرز الاستفزازية هذه، كما أعلنت بعض الأحزاب ذات التوجه الديني في بعض البلدان الإسلامية، عندما دعت إلى تحريك مسيرات احتجاج على هذه المسابقة.

وكان مقبولاً لو أن الأمر كان سيقتصر على تحريك المسيرات، وإصدار بيانات الرفض والاستنكار فقط، لأن هذا حق مشروع للمسلمين إزاء إقدام فيلدرز وحزبه على إهانة رسولهم الكريم، ولكن الأمر كان سيتطور إلى تحريك منظمات وجماعات، نعرفها نحن وفيلدرز جيداً، خلاياها النائمة في الدول الغربية، للقيام بعمليات ستؤدي إلى قتل أبرياء، ربما كان بعضهم معارضاً لفيلدرز وأفكاره العنصرية.

نحن لا نقر الأعمال الإرهابية التي تقوم بها هذه الجماعات والمنظمات، ولا نشجع هذه الأعمال، ولا نحاول أن نجد لها المبررات، ولكن مثلما أمرنا المولى عز وجل بعدم سب الذين يدعون من دون الله كي لا يسبوا الله، كما قال في محكم كتابه: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»، فإننا ندعو فيلدرز وأمثاله إلى عدم التعرض لرموز المسلمين الدينية، لأن الرد قد يأتي بطريقة أخرى، وقد يطال أناساً أبرياء لا يوافقون على أفكار أصحاب تلك الدعوات، ولا يقرون دعواتهم.

هنا تكمن خطورة مثل هذه الدعوات التي لا مبرر لها، ولهذا يجب أن يقف الجميع ضدها، وأن يحاربوها ويمنعوا انتشارها، لأنها دعوات ضارة، ونتائجها أكثر ضرراً، ليس على الذين يطلقونها ويتبنونها فقط، وإنما على المجتمعات كلها، وأولها تلك المجتمعات الغربية التي تنطلق من بعض أصحابها مثل هذه الدعوات.

لقد كان لفيلدرز مواقف شهيرة معارضة وناقدة للإسلام، حيث طالب بحظر القرآن في هولندا بدعوى تعارضه مع القانون، كما دعا المسلمين في هولندا لتمزيق نصف القرآن إذا أرادوا البقاء على أرضها، واتهم نبينا محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالإرهاب، وأنتج أواخر مارس 2008 فيلم «فتنة» الذي حاول أن يربط من خلاله بين القرآن والعنف.

مسابقة فيلدرز، التي تراجع عنها، استفزاز لا مبرر له، سيولّد عنفاً الجميع في غنى عنه، في زمن لا ينقصه العنف والغليان والتطرف.

 

 

تعليقات

تعليقات