هل الإرهاب ظاهرة مؤقتة؟!

الإرهاب باعتباره ظاهرة عالمية بات يعاني منه الجميع حتى وإن كانت عملياته الإجرامية ترتفع في مدن ودول معينة، إلا أن تأثيراتها السلبية ليست مقصورة عليها دون غيرها، الأمر الذي يترتب عليه مراجعة طريقة مكافحتها ومقاومتها كي لا يستقر في أذهان الرأي العام العالمي.

من الملاحظ، تراجع قدرات التنظيمات الإرهابية في العالم بدرجة لافتة خلال الفترة الماضية (تصل لعام كامل) بسبب الجهود الدولية لمواجهتها. حيث لم يعد المتطرفون قادرين على تنفيذ الهجمات الكبرى التي كنا نشاهدها عندما كان تنظيما «داعش» و«القاعدة» يتحركان بسهولة في المدن العالمية الكبرى مثل باريس وبلجيكا ولندن والتي أدت إلى سقوط العديد من الضحايا المدنيين أو جعل الناس يعيشون تحت وطأة الخوف والقلق (إسلاموفوبيا) من حدوث أي عملية إرهابية فجأة.

لكن على الرغم من هذا الانخفاض، إلا أن ما شهدته مدن عالمية مختلفة أخيراً مثل لندن ومصر وأفغانستان والأردن وغيرها من المدن من عودة تلك العمليات الإرهابية، إضافة إلى محاولات تفجيرية في السعودية رغم الجهود المبذولة من قبل الدول في مواجهة هذه الظاهرة فإن انتشارها وتكرارها يؤكد، للأسف، على أن هذه الظاهرة باتت جزءاً من سمات وقتنا الحاضر وحتى حياتنا اليومية، وينبغي التعامل معها وفق هذا النسق كي نستطيع مواجهتها والتعامل معها بشكل عملي على الأقل من قبل الرأي العام.

وبناءً على ذلك تبدو فكرة القضاء على الإرهاب بالكامل، والتي تتكرر بشكل مستمر ودائم وعودة الاستقرار والهدوء العالميين إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001، أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً على اعتبار أن أساليب التنظيمات الإرهابية وأدواتهم تتطور مع مرور الوقت وتتكيف حسب البيئة الأمنية، وبالتالي فظاهرة الإرهاب ستكون مستمرة وإن اختفت «داعش» و«القاعدة» لأنه ستظهر تنظيمات أخرى لأن القاعدة الفكرية للإرهاب موجودة، أو هكذا تشير التوقعات المستقبلية وتوضحه لنا استعدادات الدول وحتى المؤسسات من خلال وضع الإجراءات التفتيشية، التي تبدو اليوم أنها مسائل روتينية ولا تلفت انتباه أغلب الزوار.

ووفق ذلك التصور فإنه يكون من المهم الانتباه إلى بعض التحليلات الأمنية والإعلامية أو إلى التصريحات للمسؤولين في العالم المتخصصين في مجال مكافحة الإرهاب (وهي كثيرة) التي تقدم وعوداً جازمة ونهائية للرأي العالم بالقضاء على الإرهاب، وتؤكد أنها ظاهرة مؤقتة وستنتهي قريباً أو أنه يمكن التخلص منها بسهولة والتركيز على (التهوين) من هذا الخطر.

فالخطأ الكبير في هذه المعالجة هو إقناع الرأي العام العالمي باجتثاث الإرهاب كاملاً مع إدراك الجميع بأن الإرهاب مسألة عميقة التجذر وليست جديدة إلا في أدواتها وأساليبها التي تتطور وفق تطور التكنولوجيا، وتكمن أهمية هذه النقطة في احتفاظ الجهود المبذولة بمصداقيتها، وكذلك من أجل خلق وعي بطريقة معالجة الظاهرة التي تنمو وتنتشر في المجتمعات.

النقيض لهذا التصور هو أن أي عملية إرهابية تحدث بعد انقطاع مؤقت لها تكون نتيجتها عند الرأي العام التقليل من الجهود المبذولة في العالم، وربما هذه إحدى استراتيجيات التنظيمات الإرهابية، وهي إيهام الناس بضعفها لحين تخفيف حالة التعبئة الاجتماعية عليها وعودتها، بل إن هناك مدناً ودولاً باتت سمتها الأساسية الإرهاب نظراً لكثرة ما يحدث فيها من عمليات شبه يومية، حتى أن هذه الظاهرة غيّرت الكثير من تفاصيل التعامل الإنساني، وغيّرت من الصور النمطية لعواصم دولية كانت سمتها الأساسية الأمن والاستقرار مثل لندن وباريس التي تهدأ فترة ثم تعود مرة ثانية.

لهذا فإن الرأي العام أمام موقفين، إما تقديم وعود جازمة ونهائية، أو التعامل وفق منطق أن هذه الظاهرة ممتدة، وأنه في كل مرحلة يتم القضاء على نوع معين منه، ولكن هي مستمرة مع استمرار الحياة البشرية، وهنا يتم خلق وعي المسؤولية المشتركة في معالجتها ومواجهتها، وتعويدهم على التعامل معها مثل كل الجرائم ضد الإنسانية، وبالتالي تقبل الإجراءات التي تتم لحمايتهم.

الحديث عن الإرهاب واحتمالات وقوعه في أي مكان في العالم أو بقعة جغرافية في دولة ما مثل المساجد أو المدارس أو الأسواق لم يعد مستبعداً وإلا سوف نناقض أنفسنا، وبالتالي فإنه من المهم العمل على إقناع الرأي العام بالتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها عالمية ومستمرة وليست مؤقتة!!

 

 

تعليقات

تعليقات