حب الحياة والجمال

لماذا ينفجر المجتمع؟ لماذا تقع الاضطرابات المجتمعية؟ لماذا تعم الفوضى وتنهار السلطة؟

إن أسهل جواب تبريري يصدر عن بعض السُّلَط الحاكمة هو أن كل ذلك يحدث ثمرة مؤامرة خارجية. ودون أن تتساءل السلطة هذه: ما الذي جعل مؤامرة خارجية قادرة على تدمير المجتمع والدولة؟ فالمؤامرة القادرة على تدمير المجتمع وإشعال حروب فيه، إذا صدقنا بأن هناك مؤامرة، لا يعني سوى أن الدولة هشة إلى أبعد الحدود، ولا تحتاج إلا إلى شرارة واحدة كي تشتعل.

لا يمكن أن يحدث اضطراب ولا يمكن أن يكون هناك عنف وإرهاب وحروب أهلية، إﻻ إذا كانت هناك سلطة ذات عصبية ضيقة حكمت عبر الغلبة والقوة، وقامت بعملية تدمير المجتمع والسياسة والمدينة، وحطمت منظومة القيم الكلية التي تحافظ على العيش المشترك عبر الاعتراف بالحق، إلا إذا كان هناك ظلم يُمارس من قبل جماعة على جماعة أو جماعات أخرى. يضاف إلى ذلك تزايد عدد الفقراء بنسبة عالية جداً.

وحين تقوم الاضطرابات أو الانتفاضات فإن درجة الهدم والتدمير والقتل تتناسب مع درجة التدمير التي مارستها السلطة للمجتمع والقانون، وبخاصة مع درجة تدمير القيم. تقوم الدكتاتوريات بتحطيم شعور الناس الجمالي، بالعالم، بالطبيعة، بالفن، بالأدب، بالحب، فتعيد الإنسان شيئاً فشيئاً إلى حالته البيولوجية، كما تقوم بتحطيم حب الحياة عبر عنفها وعبر الخوف الذي تزرعه في نفوس الأفراد، وعبر الإفقار والعجز عن تلبية الحاجات.

وحين تظهر الحركات الأصولية العنفية ذات عقلية الثأر والغنيمة تزيد من هذا التحطيم فتتدمر قيم الجمال كلها التي تسمو بالإنسان، وتجهز على قيم حب الحياة وتبعث اللاشعور العنفي وتقدم له التبريرات التي تريح القاتل والمقتول معاً، فينبعث إذاك العنف الهمجي البدائي لدى الأطراف الذين دمروا القيم الجمالية والحياتية تدميراً كلياً، ويتحول الجسد من رمز للحياة والجمال إلى موضوع للقتل والتعذيب والتدمير والعنف والتمثيل.

وكل ما ظهر ويظهر من حركات أصولية عنفية يعمل زعماؤها على إيجاد مبرر عنفها من الإسلام نفسه. داعش والنصرة وحزب الله والحوثيون والمنظمات الأخرى المشابهة هي كذلك.

ويأتي خطاب يعلي من شأن القيم الوطنية لكي يظهر الصراع بين الوطنية والأصولية.

فالتجربة التي تمر بها بعض البلدان التي تأكلها الحروب، وتعيث فيها الأصوليات، تطرح علينا مسؤولية الفهم والتفسير ورسم طرق الخلاص الإنساني.

ماذا نريد؟ نريد مجتمعاً بلا حروب، بلا طغيان، بلا اضطهاد، بلا خرق للقوانين، بلا فساد يفقر الناس.

نريد إسلاماً بلا داعشيين وحالشيين وحوثيين، نريد إسلام الشعب، إسلام المجتمع الأهلي السلمي المتسامح.

لا بد أن نجعل الخلاص الإنساني على هذه الأرض، وأن نقيم دولة العقد الاجتماعي المعبرة عن الإرادة الكلية للمجتمع، وأن نجعل من ثقافة حب الحياة وحب الجمال ثقافة عامة.

فالحياة بلا حب للحياة، بلا حب للجمال، بلا تلبية للحاجات المادية والروحية، حياة تخلق كل شياطين الشر.

وعندي، فإن النخب الثقافية والسياسية التي لا تفكر الْيَوْمَ بالطريق الذي يوصل إلى تعميم قيم حب الحياة وحب الجمال وتلبية الحاجات الروحية والمادية، ترتكب خيانة بحق مجتمعاتها ومستقبلها. ولا شك أن الطريق طويل أمام المجتمعات التي تشهد الْيَوْمَ دماراً مادياً ودماراً روحياً، لكن الطريق ليس مسدوداً إذا تشكلت الكتلة التاريخية المدنية والسياسية قوةً فاعلةً تطرح ممكناتها البديلة عن مستحيلات الحركات الأصولية والسُّلَط الدكتاتورية.

 

 

تعليقات

تعليقات