الحي أبقى من الميت

في هذه الحياة أناس يثابرون يعملون يخرجون عن المألوف في أفكارهم وإبداعاتهم ولكن بسبب ظروف معينة أهمها عدم التقدير الحقيقي لهذه الشخصيات يُفرض عليها الإقامة الجبرية، وليس الإقامة الجبرية بالمعنى الحرفي إنما بالمعنى الفلسفي، فهؤلاء بعد أن كانوا يشطحون بخيالهم فوق السحاب ليأتوا لنا بفكرة يجبرون أن تبقى أفكارهم حبيسة الأدراج محكوم عليها إقامة جبرية تمنعها من الوصول للناس، أو أن يستمتع صاحبها بالتقدير الذي يستحقه.

غاليليو غاليلي أبو الفيزياء الحديثة، وعالم الرياضيات الإيطالي الشهير، ومكتشف التلسكوب الفلكي أحد هؤلاء الذين عاشوا حياتهم يفكرون ويكتشفون ولم يجدوا التقدير الذي يناسبهم، وهو أيضاً حُكم عليه بالإقامة الجبرية بمعناها الحرفي هذه المرة بعد أن أُتهم بالزندقة من قبل بابا روما الثامن لكون أفكاره ودراساته وأبحاثه ضد الدين، وبقي محبوساً في بيته حتى وفاته، ولحسن الحظ أن أفكاره ودراساته تطايرت خارج الأسوار لتصبح بعد ذلك هي الأساس في قوانين الفيزياء الحديثة، ولكن للأسف غاليليو نفسه لم يعش لحظة الانتصار لحظة النجاح والتقدير الذي يستحقه إلا بعد وفاته.

القصص ذات الصلة كثيرة، رسامون لم يبيعوا لوحة واحدة في حياتهم وبعد موتهم أصبحت لوحاتهم تباع بملايين الدولارات، موسيقيون كانت معزوفاتهم نشازاً وأصبحت أجمل إيقاع بعد أن فارقوا الحياة، كتاب وأدباء لم يُنشر لهم أية أعمال وبعد وفاتهم نشرت عشرات المؤلفات وملايين النسخ، وذهبت عائدات ونجاحات كل هذه الأعمال لأشخاص آخرين لم يبدعوا أساساً ولم يجتهدوا ولكن كان لهم إرث من هذه الشخصيات العظيمة فاستفادوا بفائدتهم.

العجيب في الأمر أن هذه الحالة لا تنطبق على المفكرين أو الموهوبين أصحاب الإنجازات العظيمة فقط بل أيضاً على أبسط الأشخاص، فلو تفكرنا قليلاً وراجعنا أنفسنا لوجدنا في مدننا في أحيائنا في أزقتنا في بيوتنا قصصاً مماثلة، فكم من أب تجاهله أبناؤه وعند وفاته أقاموا له التماثيل لتبقي على إثره، كم من أمهات جفاها فلذات أكبادها وتعلقوا بمنديلها يشتمون رائحته بعد موتها.

هكذا نحن نقدر الإنسان بعد موته أكثر من تقديرنا له وهو على قيد الحياة، وبدلاً من أن يستمتع هو بنجاحاته حتى البسيطة منها بأن أنجب طفلاً ورباه وعلمه حتى أصبح شاباً نقضي على أحلامه بأن يرى هذا الشاب يقدر ما صنعه من أجله، وعند وفاته وعندما تدور عجلة الحياة سيكتشف هذا الصغير أن أباه كان يصنع كل ما بوسعه لكي يؤمن له الحياة الكريمة، وحينها سيتمنى لحظة يهاتفه فيها ليقول له شكراً، ورغم أن كلماتي هذه واضحة وبسيطة وفيها رسالة مباشرة، إلا أن قلة قليلة ممن يقومون الآن بالتوجه لأقرب الشخوص في حياتهم ويقدروا ما صنعوه من أجلهم.

ليتنا نعطي الأشخاص تقديرها قبل رحيلهم ليتنا نعظم الشخصيات وننصب لها تماثيل المجد قبل مماتهم على الأقل نحسسهم بقيمة ما صنعوه نعطيهم جرعة من تقدير الذات وهذا ما يستحقونه فعلاً، والملفت للنظر أننا كل يوم ننشر أخبار الموتى وأسماءهم ونعرف أن بعضهم كان من قبيلتنا ومن أهلنا ولم نسبق أن أعددنا قائمة بالأحياء وعرفنا أن هؤلاء هم أهلنا وناسنا قبل موتهم لعلها فرصة للتعارف والتواصل، و «الحي أبقى من الميت» كما جاء في المثل الشهير.

وفعلاً الحي أبقى من الميت، فلو انتظرنا موت الإنسان لنعطيه التقدير الذي يستحقه لأصبحت مشكلة كبيرة تواجه مجتمعاتنا، بل نريد أن نعطي كل ذي حق حقه، ونؤسس لثقافة تقدير الأحياء أكثر من الأموات فنحن لا نريد أن نكلم القبور ولا نكلم الصور بل نريد أن نستبق الأحداث والأحوال فنكلم الشخصيات والشخوص ونحادثهم ونسايرهم قبل رحيلهم، نريد أن نعظمهم ونعظم كلماتهم وأفكارهم ودراساتهم وابداعاتهم ورسوماتهم وكل شيء يخرجونه من أنفسهم ولا نحبطهم بل نصنع لهم الهالة التي يتمنونها.

في حياتنا اليوم قادة عظماء لنحتفل بهم ونعبر عن حبنا لهم، في حياتنا أساتذة ومفكرون وأدباء لنقيم لهم حفلات الاستقبال لنكرمهم على إنجازاتهم وهم في ريعان شبابهم قبل أن نجر كراسيهم أو صورهم ونقدم رسائل الشكر والعرفان لمن ينوب عنهم، في حياتنا اليوم رسامون وموسيقيون ونحاتون وموهوبون لنقيم لهم المعارض ونستضيفهم في أكبر وأشهر المسارح ليقدموا أعمالهم بأنفسهم ويستفيدوا من عوائدها، لنتعرف عليهم ويعرفوا عن لوحاتهم الفنية قبل أن نُخمن ماذا كانوا يقصدون، في أيامنا هذه أدباء وكتاب رائعون كلماتهم قمة في الإبداع حروفهم رنانة لنجعلها في أولى صفحات الجرائد والمجلات قبل أن يأخذها ورثتهم ويتقاتلون على نصيبهم من حقوق بيعها.

الحي أبقى من الميت فلا نريد أن يتكرر ذاك المشهد الذي يأتي فيه أحد الموهوبين ليتسلم أفضل الدروع والجوائز بديلاً عن أبيه الموهوب الذي سبقه، صحيح أننا نريد أن نقدر كل من قدم جميلاً ولكن الأجمل أن نقدم الجميل لكل جميل قبل أن يفوت قطار العمر ويندثر تحت التراب، حيوا أحياءكم قبل أن تحيوا أمواتكم فالحي أبقى من الميت.

 

 

تعليقات

تعليقات