إسرائيل في حالة تلبُّس

بصدور قانون القومية اليهودية، انتهى زمن تحايل الدولة الصهيونية وتلاعبها بالمفاهيم والتعبيرات الموصولة بفلسفة الليبرالية وتقاليدها، وبالأطر القانونية والأخلاقية العاطفة على الحكم الديمقراطي. ولم يعد بوسع أي مكابر صهيوني أن يجادل الآن حول انشقاق إسرائيل وتمردها المعلن عن القوانين الدولية عموماً، وعلى كل من شروط إنشائها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، وإعلان قيامها المعروف بـ «وثيقة الاستقلال» عام 1948 بشكل خاص.

لا يملك الصهاينة الإسرائيليون منطقاً يمكنه الصمود في التناظر، حول اتساق هذا القانون العنصري الفج مع قرار التقسيم؛ الذي ألزم دولتهم بمسار ديمقراطي للتعامل مع الوجود السكاني العربي داخل نطاق سيطرتها.

كان مشرعو التقسيم يعلمون يقيناً بأن الشطر اليهودي سوف يحوي جماعة عربية فلسطينية؛ قدرت وقتذاك بنحو 407 آلاف نسمة مقابل 498 ألف يهودي. وإذا أضفنا إلى هذه الأعداد زهاء 105 آلاف من العرب البدو الذين أسقطتهم الإحصاءات، فمعنى ذلك أن الدولة اليهودية كانت ستضم أغلبية من العرب وليس العكس. هذا في حين كان من المقدر أن تشمل الدولة العربية قرابة عشرة آلاف يهودي مقابل أكثر من 750 ألف عربي.

بكثير من الإجحاف، قسم القرار 181 ما لا يمكن تقسيمه، وذلك بحيثية شديدة القسوة والتعدي على حقوق الفلسطينيين من الناحيتين الجغرافية والسكانية. ناهيك الحديث عن الظلم البين في حق المسار التاريخي والهوية الحضارية للديار الفلسطينية. وكان التصور، فيما يبدو، أن النصوص الدستورية الديمقراطية تكفي لاتقاء هيمنة القطاعات اليهودية على الوجود العربي؛ الذي لم يكن صحيحاً وصفه بالأقلية، داخل الدولة الصهيونية. ولم يفطن مؤيدو التقسيم إلى ما تعنيه الفكرة الصهيونية وما تنطوي عليه وتستبطنه في جوفها من أبعاد عنصرية تمييزية، مجافية بالفطرة لطقوس الديمقراطية وأسسها على الصعيدين النظري والتطبيقي، ضد غير اليهود بعامة وضد العرب بخاصة. وهذا يفسر عدم إقرار إسرائيل لأي دستور حتى اللحظة والاكتفاء بسن قوانين أساسية مخالفة لقرار الإنشاء الأممي؛ التي مثل قانون القومية أحد آخر تجلياتها.

غياب الدستور الإسرائيلي يمثل أحد النقائص المؤكدة لعدم إعمال قرار إنشاء هذه الدولة. وهو مأخذ يصح، وينبغي، التذرع به لمساءلتها أمام الأمم المتحدة بصفتها جهة الإنشاء والإخراج. وفي "إعلان الاستقلال"، تنبه الصهاينة المؤسسون إلى هذه الناحية، وقد منعتهم أحاسيس الاستضعاف وضرورة الحيلولة دون تهييج المجتمع الدولي على كيانهم الغض من تجاهلها، الأمر الذي جعلهم يدرجون نصاً صريحاً يتحدث عن "وضع دستور بواسطة المجلس التأسيسي المنتخب، في موعد لا يتأخر عن مطلع تشرين الأول 1948". وها قد مر سبعون تشريناً على هذا الموعد دون أن يعلن هذا الدستور.

أيضاً تضمن الإعلان المنكود وعداً بـ "إقامة المساواة التامة في الحقوق، اجتماعياً وسياسياً بين جميع رعايا الدولة، من غير تمييز في الدين والعنصر والجنس وتأمين حرية الأديان والضمير والكلام والتعليم والثقافة على الأماكن المقدسة لدى كل الديانات، ومراعاة مبادئ ميثاق الأمم المتحدة". وفي موضع آخر دعا الإعلان أبناء الشعب العربي سكان الدولة إلى "المحافظة على السلام والقيام بنصيبهم في إقامة الدولة على أساس المساواة التامة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع مؤسساتها المؤقتة والدائمة". أين هذه الوعود؛ التي داعبت بها إسرائيل الوليدة وجدانيات الخلق أجمعين وطالبتهم بتأييدها واسترحمتهم إلى مساعدتها، من قانون القومية وعشرات القوانين والتشريعات الموصولة به والسابقة عليه؟

من غرائب إسرائيل الدولة، أنها بقانون القومية تكون قد عينت نطاق هويتها الإثنية والدينية والثقافية والأخلاقية على أسس عنصرية وتمييزية بين مواطنيها، فيما لم تعرف حتى ساعتنا هذه حدودها الجغرافية. بل وكانت من الجرأة والتبجح بحيث مدت ولايتها، طبقاً لمعالم هذه الهوية، إلى كل العوالم التي تشمل وجوداً لليهود. وعلى ذلك، فإنها اقترفت مع سبق الإصرار عدداً لا يحصى من الفواحش الفكرية والسياسية والحقوقية، العابرة للمجتمعات والدول، بما يضعها قيد الضبط والإحضار والمحاكمة أمام المحافل القانونية ذات الصلة وفي طليعتها الأمم المتحدة.

 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

تعليقات