إنهم يزرعون الأمل

الشمس نراها سواء من ثقب في كوخ أو من شرفة قصر. والمطر حين يهطل لا يفرق بين سهل وجبل، بين غني وفقير. إنها الحياة، سنة الكون. لكن ثمة من لا يرى من تل النجاح سوى حبات رمل سقطت سهواً من اليد التي بنت وعملت ونجحت. وثمة من يعتبر الفشل خطوة أولى في طريق النجاح، ويرى في عتمة اليوم نهار الغد. إنه الفرق بين المتفائل والمتشائم، بين من يؤمن بالتفاؤل ومن يستسلم للتشاؤم.

يمكن للإنسان أن يعيش بلا بصر ولكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمل. الأمل هو تلك النافذة الصغيرة، التي تفتح آفاقاً واسعة في الحياة. المتفائل هو من ينظر إلى عينيك، والمُتشائم هو من ينظر إلى قدميك. الناس معادن، تصدأ بالملل، وتتمدّد بالأمل، وتنكمش بالألم.

التفاؤل هو الإيمان الذي يؤدّي إلى الإنجاز. الإنسان دون أمل كنبات دون ماء، ودون ابتسامة كوردة دون رائحة. يُصبح الإنسان عجوزاً حين تحلّ الأعذار محلّ الأمل، لولا تحدياتي لما تعلمت، لولا تعاستي لما سعدت، لولا آلامي ما ارتحت، لولا مرضي لما شفيت، لولا فقري ما غنيت، ولولا فشلي ما نجحت.

الزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتّى في اليوم الملبد بالغيوم. لا تبكِ إذا غابت الشمس، فدموعك ستحجب عنك رؤية النجوم. هناك من يتذمّر لأنّ للورد شوكاً، وهناك من يتفاءل لأنّ فوق الشوك وردة.

التفاؤل يمنحك هدوء الأعصاب في أحرج الأوقات. الأمل لا علاقة له بالمنطق. إذا شعرت بالتشاؤم، تأمّل الوردة. العقل القوي دائم الأمل. يجب أن يكون إحساسك إيجابيّاً مهما كانت الظروف، ومهما كانت التحديّات، ومهما كان المؤثّر الخارجيّ. ففي قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر. قد تتحمّل الألم ساعات، لكن اليأس مقبرة الروح.

سيكون يومك مشابهاً للتعبير المرتسم على وجهك سواء، أكان ذلك ابتساماً أم عبوساً. الدجاجة السوداء تضع البيضة البيضاء ولولا الأمل في الغد ما عاش المظلوم حتّى اليوم. إن أجمل وأروع هندسة في العالم أن تبني جسراً من الأمل على نهر من اليأس. هناك أشخاص هم الأمل بذاته. لا تيأس إذا تعثرت أقدامك وسقطت في حفرة واسعة، فسوف تخرج منها وأنت أكثر تماسكاً وقوة. لماذا الخوف، والشمس لا تظلم في ناحية إلا وتُضيء في ناحية أخرى؟

الحكمة أن ترى أبعد مما ترى، وأن تتعمق إلى ما تحت السطح. اللؤلؤ يكمن في قاع البحر.

يقول صاحب أكثر الكتب انتشاراً في العالم والتي ترجمت إلى 56 لغة إنه لم يأت قط بشيء جديد وإنه فقط يذكر الناس بالمبادئ القديمة المعروفة التي جاءت على ألسنه الأنبياء والحكماء.

إنه «ديل كارنيجي» الذي اعتبر نفسه في شبابه أنه «الأتعس»؛ حيث كان يعاني من الفقر ويشعر بالإحباط، ويفكر في الانتحار مرات عدة، لكنه أصبح الرجل الذي يتوافد كبار رجال أعمال نيويورك وأشهر شخصيات أميركا لطلب توجيهاته ونصائحه العملية فيما يتعلق بالتعامل مع الناس.

نشأ «كارنيجي» وعوامل الفشل تحيطه من كل جانب؛ فقد نشأ لأبوين فقيرين في قرية نائية في ولاية «ميسورى»، وكان من نتائج الفقر شعوره بالنقص، كان خجولاً من فقره من ملابسه الرثة، من عقدته في الطفولة وهي «الخجل». لكنه استطاع أن يصبح أهم كاتب، ومؤسس لعلم التنمية البشرية، وأصبح لديه «معهد كارنيجي» للعلاقات الإنسانية وعشرات من الكتب، التي أثرت على فكر ملايين من البشر.

لا تكاد مكتبة أو بسطة رصيف تخلو من كتابه «دع القلق وابدأ الحياة». ومنذ وفاته عام 1955 ومازال الناس حول العالم يتبادلون نصائحه في مختلف المجالات؛ ففي فن التعامل مع الناس ينصح «كارنيجي» بست خطوات مهمة وهي: «اظهر اهتماماً حقيقياً للآخرين، ابتسم، تذكر أن اسم الشخص هو أجمل وأحب الأسماء إليه، كن مستمعاً جيداً، تحدث فيما يسر ويسعد محدثك، أجعل الشخص الآخر يشعر بالأهمية. أفعل ذلك بصدق».

كما أن لديه حكمه أساسية للتعامل مع الناس «بدلاً من إدانة الناس دعنا نحاول أن نفهمهم، هذا مفيد جداً خير من الانتقاد، وبالتالي فإنه يولد العاطفة والحب والتسامح، كي تفهم الجميع، سامح الكل».

تعلمت الكثير من كارنيجي، وتعلمت أكثر من الشجر الذي لا يطلب منك أكثر من الماء ليمنحك بصمت الثمر والظل والورد، وحين يهرم يمنحك الخشب ليدفئك ولتقيم لك كوخاً في جنة الأمل.

كاتب أردني

تعليقات

تعليقات