القياديون وخطيئة «توجيه» الصف الثاني

لقد أفرحتني وأحزنتني نتائج تقرير توقعات القيادة العالمي GLF للعام 2018 والذي درس نحو 2488 منظمة فوجد أنه حينما تطبق المنظمات نظاماً رسمياً في «توجيه» العاملين mentoring عبر أشخاص أكفاء يشار إليهم بالبنان فإن تسرب الموظفين ينخفض بنسبة 20 في المئة، وترتفع جودة أداء القياديين بنسبة 46 في المئة، وأن نحو ربع الأدوار أو الوظائف الشاغرة يمكن شغلها بصورة فورية.

والأهم أنهم لاحظوا أن المؤسسات التي تطبق نظام التوجيه تصبح أكثر مقدرة على الاحتفاظ أو الإبقاء على المعلومات المهمة قبل فقدانها بنسبة الضعف تقريباً (1.7x) مقارنة بغيرها.

وقد سعدت وأنا أقرأ هذه الدراسة التي نشرها التقرير لأهمية نتائجها. فالتوجيه مصطلح في غاية الأهمية في عالم الإدارة، بل ومنذ فجر التاريخ، لأنه مثل سباق التتابع يمنح المتقدم من يليه تلك الشارة الخشبية ليكمل السباق بعده. وإذا انقطعت هذه الصلة لم يصل أحد إلى خط النهاية. وربما فاز بالسباق أسوأ المتسابقين لأن الأفضل لم يقم بدوره كما يجب.

وكذلك الحال في رحلة التوجيه. حينما ينشغل المبدع أو القيادي الفذ بنفسه وينسى مهمة إنشاء جيل من المتميزين تدفع ثمن ذلك المؤسسة والأفراد الذين انضموا إليها للنهل من علم وخبرة نجومها.

والموجه ليس شخصاً عادياً، بل هو من لا يختلف على قدراته اثنين. أما دور كبار القياديين فينحصر في التأكد من وجود نظام دوري أو آلية لتهيئة الصف الثاني تماماً مثل المنتخب الوطني لكرة القدم، إن لم يكن لديه رديف سيكون مصير تحقيقه للبطولات الفشل الذريع.

أما المحزن فإننا في الوطن العربي لا تكاد تجد مؤسسة تلتزم أصلاً بوضع نظام مدروس ومهني لتوجيه القيادات وتحديد من هم الموجهون الملهمون الذين لديهم خبرة تراكمية هائلة تستحق أن تنقل للتواقين لتطوير ذواتهم.

أقول ذلك لأن التقرير المذكور أشار إلى أن 6 من أصل 10 قياديين ليس لديهم موجه، وذلك من أصل 25 ألف قيادي مشارك! وبافتراض أن معظمها إن لم يكن كلها شركات أجنبية فإن المتأمل لواقعنا العربي لا يحتاج لمنجم ليعرف النتيجة المخيبة للآمال! والصدمة الأكبر أن نحو 60 في المئة من القياديين في المستوى الأول لم يجربوا قط جلسات التوجيه، وهي فرص هائلة مهدورة.

أما الطامة الكبرى حينما قرأت أن نصف كبار القياديين الذين (47%) الذين قطفوا ثمار التوجيه ممن سبقهم تبين أن ثلثهم لا يمررون خبرتهم ولا معلوماتهم لمن هم أصغر منهم. وهذا يظهر مكمن الخلل المؤسسي الذي يرتكبه القياديون.

إذا كان هذا واقع الغرب، فإن واقعنا أكثر مرارة. وهذا لا يعني أن ننتظرهم حتى يتقدموا، بل إن الحكمة تقتضي أن يحمل أحد قادتنا العرب راية تطبيق آلية رسمية للتوجيه في القطاع العام والخاص حتى نسهم في إنشاء صف ثانٍ وثالث يشار إليهم بالبنان.

كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات