سيكولوجيا «التعفيش»

تندهش الأغلبية السورية واليمنية والعربية عموماً مما سماه الوعي الشعبي «التعفيش». وهي ظاهرة ترافق دخول الميليشيات المنتصرة إلى قرىً كانت تحت سيطرة الحركات الأصولية العنفية، وبعض كتائب الجيش الحر في سوريا، ومدن وقرى كانت تحت سيادة السلطة المركزية في اليمن، ظاهرة تقوم على تشليح بيوت السكان من أثاثها، وشحنها إلى أسواق متعددة لبيعها بأسعار زهيدة. وتشليح مؤسسات الدولة مما تيسر.

وتنبع الدهشة من النظر إلى هذا الفعل بوصفه فعلاً غير أخلاقي. ولا تبرره الحرب أبداً.

ولعمري بأن وصف الفعل بأنه غير أخلاقي أمر واجب، ولكنه لا يفسر الظاهرة، بل يصدر حكم ذمِ قيمياً عليها.

فيما السؤال الأهم هو: كيف تأتى أن يقوم الجنود وما شابههم من الميليشيات على ارتكاب هذا السلوك دون إحساس بالذنب، وكيف صار للمعَفشات من الأشياء سوق يرتاده الناس؟

التعفيش هو الاغتنام نفسه، فما جرى هو أخذ الغنائم بعد النصر على «العدو». والغنائم ذات ارتباط بالغزو. والغزو هو الشكل القديم من الحرب، والذي لم تتجاوزه الحروب الحديثة على نحو كامل.

إذاً إن وعي ظاهرة التعفيش غير ممكن دون وعي ذهنية الغزو والغنيمة عند هؤلاء، هذه الذهنية القارة في العقل العام، والتي لا ترى الحرب إلا من هذه الزاوية.

فالغزو عربياً في الأصل مقصوده السلب والنهب والسبي، وينتج عنه القتل ولا شك. وكان من المعروف في الجاهلية أن تقوم القبائل بغزو بعضها بعضاً طمعاً بالثروة والسبي.

ها نحن إذاً أمام ذهنية غازٍ وغنيمة. وهي التي تقف وراء ظاهرة التعفيش الراهنة التي يقوم بها الحوثيون بكل مؤسسات الدولة المركزية وبخاصة مؤسساتها الاقتصادية -المالية، والتي يقوم بها جنود سوريون.

ولو حللنا هذا السلوك انطلاقاً من جدل الغزو والغنيمة، فهذا يعني أن البنية النفسية للغازي المؤسسة لمصالحه الضيقة، ترى المختلف الآخر لها في الوطن موضوع غزو وليس مكوناً من مكونات الوطن. ولأنه موضوع غزو فهو إذاً موضوع سلب ونهب وقتل.

فالحوثية، بوصفها ميليشيا تسعى نحو السلطة، ترى في الدولة موضوع غزو، وفي المال العام موضوع نهب. ولهذا فإنها سرعان ما سلبت أموال الدولة المرصودة لتنظيم حياة الناس، وبخاصة قطاع الموظفين، كما سلبت مصادر الثروة لتلبية حاجات الغزو. وهكذا.

وقس على ذلك داعش التي هي أنموذج كلاسيكي للغزو بما ينطوي عليه من سلب ونهب وسبي. فلقد أعادتنا داعش إلى عصر السبايا الذي اندثر، وكما استولى الحوثيون على مصادر الثروة كذلك فعلت داعش حين استولت على آبار النفط.

ولا تختلف ذهنية الحشد الشعبي العراقي الذي قاتل داعش عن ذهنية داعش، من حيث النهب والسلب والقتل للسكان.

والأنكى من ذلك كله أن يتحول جيش دولة مهمته كما يجب أن تكون حماية الوطن وحماية المواطنين وممتلكاتهم إلى جماعة غازية بكل معنى الكلمة، وممارسة لمنطق الغنيمة التقليدي، مع أن ذهنية الدولة ذهنية أتت على ذهنية الغزو الداخلي وطقوس الغنيمة.

وهذا يعني بأن الجماعة الحاكمة لم تنظر إلى البلد الذي تحكمه إلا على أنه غنيمة يجب الحفاظ عليها دائماً عبر الغزو.

ولعمري بأن استمرار ذهنية الغزو وما يترتب عليها من صور الغنيمة لدى العصبية المستبدة، ولدى الجماعات الأصولية العنفية بلا استثناء أخطر أشكال النكوص التاريخي التدميري للمنجزات التي تحققت عبر التاريخ الحديث في المجتمعات العربية. من هنا تبرز ضرورة الانتقال من الإدانة الأخلاقية إلى المواجهة العملية لهذا النكوص، إذا ما أراد العرب أن يتجاوزوا هذه الكوميديا القاتلة.

ولمن لا يعلم، فإن التعفيش في أصله اللغوي هو من فصيح الكلام، فقد جاء في معجم تاج العروس عَفَشَهُ يَعْفِشُهُ مِنْ حَدِّ ضَرَب عَفْشاً: جَمَعَهُ زَعَمُوا. وفي نَوَادِرِ الأَعْرَابِ: هؤلاءِ عُفَاشَةٌ من النّاسِ بالضّمِّ وهُمْ مَنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ وكَذِلكَ نُخَاعَةٌ ولُفَاظَةٌ. والأَعْفَشُ: الأَعْمَشُ. وسَمَّوْا عُفَاشَةَ وقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً بصَعِيدِ مِصْرَ يُسَمَّى بذلِكَ. ويَقُولُونَ: هُوَ من العَفِش النَّفِش لرُذالِ المَتَاعِ.

 

 

تعليقات

تعليقات