تعميم الرسالة السعودية

من أكبر المصائب في السياسة الدولية أن تعتقد دولة ما مهما امتلكت من تأثير سياسي أو اقتصادي أنها مكلفة بمهمة تسيير الدول الأخرى والسماح لنفسها بالتدخل في شؤونها الداخلية، خاصة إذا كان التدخل يمس أحد السلطات السيادية في تلك الدولة، مثل السلطة القضائية التي تعتبر أعلى سلطة في أي بلد ولها حصانتها، وبالتالي فإن التشكيك في نزاهتها لا ينبغي القبول به أو السماح بالمساس بها.

ربما نسي المسؤولون الكنديون وغيرهم من الدول الغربية أنها مهما بلغت من قوة أن المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية ليست تحت وصايتها، ولا يمكن قبول أي تدخل في شؤونها، لأنها تعتبر من الأعمال الخارجة على القانون والأعراف الدولية، وإذا كانت هناك نقاشات أو حوارات تتم على المستوى الثنائي بينها، أو ضمن المنظمات الدولية معها وفق عضوية الانضمام في تلك المنظمات فيها، فإن هذا لا يعني السماح لها بتجاوزها «الخطوط الحمراء» للدول وتقديم النصائح أو لعب دور الرقيب على سلوك الآخرين.

ربما كندا تحاول أن تلعب دوراً أكبر في السياسة الدولية، لكن هناك بعض الأدوار تكون أكبر من حجم الدول التي تبحث عن الدور أو أنها تم التغرير بها من منظمات لها أهدافها السياسية لكنها تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان، لذلك وجب على المسؤولين الكنديين عدم الانجرار وراء تلك التنظيمات، لأن أهدافها بانت خلال ما كان يعرف بـ«الربيع العربي» وهو نشر الفوضى السياسية والأمنية، لهذا فإن حالة الارتباك لدى الإدارة الكندية لردة فعل السعودية والعربية تؤكد ذلك.

أما إذا جئنا على مسألة حماية حقوق الإنسان، فهي لها أكثر من معيار لدى الغرب بما فيها كندا نفسها، وقد أدركت بعض الدول بما فيها الولايات المتحدة الأميركية استيعاب الدول العربية والخليجية هذا المفهوم خاصة أثناء حادثة اعتصام وول ستريت في عام 2011، وكيف فض الأمن الأميركي المعتصمين بعد أن تأكد أن الهدف لم يكن التعبير عن الرأي تجاه قضية معينة بقدر أنه محاولة للانتشار الإعلامي، كما استوعب العرب أيضاً معيار حقوق الإنسان في «الفقه السياسي» الغربي بعد حادثة سجن أبو غريب في العراق.

مشروعية التعبير عن الاستياء السياسي حق مكفول لكل دولة مكتملة السيادة، وبالتالي فالإجراءات التي قامت بها السعودية يكفلها القانون الدولي بغض النظر عما يردده البعض بأنها ليست مؤثرة على الوضع السياسي والاقتصادي لكندا، وإنما الأمر هو تسجيل موقف ورسالة عربية ينبغي التعميم للجميع على اعتبار أن الدول العربية عانت من سياسات التدخل في الشأن الداخلي لها وتكرارها هو تعبير عن رضاها بما يحدث.

لذلك فإن تردد كل من السويد وألمانيا في التوسط لكندا لدى الرياض هو استذكار لحساسية الموقف العربي تجاه قضايا تخالف الأعراف الدولية، فالموقف السعودي والعربي عموماً له علاقة بتسجيل موقف سياسي أكثر منه القدرة على التأثير السلبي عليها، لذا من المهم عدم التدخل في قضايا يفهم منها الانتقاص من سيادة الدولة.

من الناحية الواقعية للسعودية تأثيرها على كندا وغيرها من الدول الغربية ليس فقط من الناحية الاقتصادية وإنما هناك تأثير من خلال دورها السياسي في المنطقة ومن خلال القضايا العالمية التي تتشارك فيها مع مختلف دول العالم مثل الإرهاب والتطرف.

لكل واحد أن يتخيل سماح دولته بتدخل دولة أخرى في شؤونها دون أن تبدي انزعاجاً كيف ستصبح حكومته في نظر شعبها وفِي نظر الدول التي تمثلها خاصة عندما تكون دولة قائدة في إقليمها ولها دورها الدولي في المنطقة، بإمكان كندا وغيرها من الدول الأوروبية أن تتسم سياستها بشيء من الواقعية بأن تطمئن من يهمها أمره، ولكن عليها أن تدرك أيضاً أن الإجراءات القانونية والقضائية للدول هي «خطوط حمراء» عليهم عدم تخطيها، بدلاً من الاستعجال في قراراتها التي أدخلتها في حرج سياسي وتحاول أن توسط الآخرين لمعالجة أزمة إدارتها بأزمة أخرى.

يؤخذ على الإدارة السياسية في كندا أن تدخلها يثير قضية مهمة في العلاقات الدولية، كنا نعتقد أنها انتهت وهي لم تعد مقبولة بتاتاً.

 

 

تعليقات

تعليقات