المفاوضات ومزاجنا

حينما تنتابنا نوبة حزن أو مزاج متعكر، يلوذ بعضنا بالفرار إلى الأسواق في محاولة، على ما يبدو، لنسيان ما يعترضه من ألم، لكنه كمن يسير بنفسه نحو كمين نصب له!

الباحثة في العلوم الاجتماعية جينفر ليرنر أثارت انتباهها شواهد علمية سابقة، فحاولت مع زملائها، التأكد من تأثير العامل النفسي علينا عندما نبيع ونشتري أو نتفاوض، وما أكثر ما نفعل ذلك في عالم «البزنس» والعمل والتسوق، فعرضوا على مجموعة من المشاركين في بحثهم فيلماً قصيراً «يقلب المواجع» والأحزان عن صبي فجع بفقد شخص عزيز عليه أو بالأحرى معلمه الملهم، الذي يسمى mentor بالإنجليزية.

وعرضوا على آخرين فيلماً خالياً مما يثير المشاعر فيه أسماك تسبح بهدوء وسلام، ثم ‏قيست انطباعات المشاركين بطريقة علمية دقيقة، بعدها قسموا المشاركين إلى مجموعتين، نصفهم مشترون طُلب منهم تظليل السعر المناسب للشراء من وجهة نظرهم.

والنصف الآخر بائعون يختارون السعر المناسب أيضاً في صفقة عرضت عليهم، فاتضح أن المشترين قد أبدوا رغبتهم في الشراء بسعر أعلى بنحو 30 في المائة مما عرضه أولئك الذين لم تتأثر مشاعرهم بُعيد فيلم الأسماك. والمفارقة أيضاً أن من أبدوا رغبة في البيع قد عرضوا سعراً أقل بنحو الثلث من المبلغ الذي عرضت الفئة، التي شاهدت فيلم الأسماك بمشاعر معتدلة.

من هنا يتبين أنه ليس من الحكمة أن ندفع فريقنا أو موظفينا دفعاً للتفاوض أو النقاشات المرتبطة بقرارات مصيرية كالبيع والشراء، وهم في حالة نفسية صعبة، فكيف نتوقع، مثلاً، أن يثمر نقاشهم وهم لا يتمتعون بالحد الأدنى من الامتيازات؟!

تخيل نفسك وأنت تفاوض مصرفاً أو شركة على إعادة النظر في بنود عقد تمويل أو تقسيط، فيهزمك أصغر موظفي تلك المؤسسة بركام عروضهم «المشوشة» لتكتشف لاحقاً أنك قد «خرجت من المولد بلا حمص».

والحالة النفسية، تقلب الأمور رأساً على عقب، مثل من يطبع رسالة بريدية جارحة، ليلجم بها جماح ذلك المدير أو الزميل أو العميل الغاضب فيزيد الطين بلة.

ولذا كان من أبجديات التواصل المكتوب تأجيل الرد العنيف لساعات أو لليوم التالي حتى تهدأ النفس «الأمارة بالسوء»، فكم من رسالة جارحة لم يصدق كاتبها لاحقاً أنه هو من كتبها، ناهيك عن إرسالها لأكثر من شخص. ولذا قيل إن الكلمة إذا خرجت منا صارت ملكاً للآخرين ورهن تصرفهم، فلا ينفع عندئذ البكاء على اللبن المسكوب، والسبب تجاهلنا لتداعيات تلك الحالة المزاجية.

قرارات البيع والشراء والتفاوض قد تبدو يسيرة وعفوية لكن عواقبها وخيمة إذا لم نتحلَ بالتأني، ودراسة البدائل، فكيف بنا إذ اندفعنا إليها ونحن في حالة مزاجية يُرثى لها؟

كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات